كان تقدم الملك المؤسس عبدالله الأول ابن الحسين، إلى عمّان من معان، عشية يوم الاثنين 29 شباط 1921م، وذلك بعد أن استعرض الملك المؤسس القوات العسكرية، وتشير المراجع التاريخية إلى أنه «تقدم لوداعه شيوخ العشائر والزعماء والضبّاط من سوريا وفلسطين والعراق وشرق الأردن ممن ناصروا الفكرة العربية.

وقد غادر الملك المؤسس معان بواسطة قطار سكة الحديد في خطوة ذكية، معاكسة تماماً، لرغبات الإنجليز، الآخذين بعمل الترتيبات في المنطقة، إذ يقول الفريق فردريك بيك قائد الجيش العربي في مذكراته: «أن مجيء الأمير قلب الموقف رأساً على عقب لأنه ليس بالمستطاع التنبؤ بالاتجاه الذي ستسير فيه الأمور قبل معرفة نيات الأمير الحقيقية».

وعند وصوله إلى عمّان، في 2 أذار 1921م، ألقى الملك المؤسس، كلمة بالمحتشدين، قال فيها: «إن فيصل ما يزال يبذل الجهود السياسية في أوروبا من أجل العرب «وآمالي أكيدة بأنه لا يرجع خائباً، وأن ما جاء به إلى الأردن إلّا حميته، وأنه يدرك الواجب عليه وسيفعل كل ما يستطيع في سبيل الوطن.

تقول جريدة القبلة الناطقة باسم الشريف الحسين ابن علي في عددها رقم 470 الصادر في 28 أذار 1921م، شارحة أسباب قدوم الملك المؤسس عبدالله الأول ابن الحسين (الأمير آنذاك) إلى شرقي الأردن، «إن الأمير عبدالله لم يأت إلى المنطقة إلا إجابة للمستصرخ، وتلبية لداعي النخوة والشهامة، حتى يرى ما يراه الشعب من الرأي النهائي».

إذ كان تأسيس الأردن، في لحظة عصيبة، أعقبت ميسلون، والخشية من أفول الحس العروبي، في لحظة إعادة ترتيبات المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى، وهذا ما تعبر عنه «القبلة» في ذات العدد، بقولها: «وحذرا مما عساه يتبادر إلى الحس العمومي بأننا تركنا سوريا فريسة للمعتدين، فأسرع سموه لإجابة الداعي وبادر بالرحيل إلى تلك المنطقة بحاشيته المخصوصة ورجاله المتشكلين من نحو الخمسمئة راكب».

جاء هذا الشرح لجريدة القبلة، مع تقدم الملك المؤسس من معان إلى عمّان، وهو قرار استند إلى رغبة أهل شرقي الأردن وإلحاحهم، ورغبة الوطنيين الأحرار من أبناء سوريا الطبيعية، على إنقاذ المشروع العروبي، بعد انتكاسة ميسلون.

لقد كان مجيء الأمير إلى عمّان بداية لانتهاء عهد الحكومات المحلية، إذ ثبت مرجعية سياسية في المنطقة بعد زمان من عصر الحكومات المحلية.

لقد تأسست أول حكومة في الأردن، بعد نحو أربعين يوماً من وصول الأمير إلى عمّان، وهي حكومة رشيد طليع، وتأمل السير الذاتية لأعضائها، يظهر بأنها كانت استكمالاً لمرحلة المملكة الفيصلية بسوريا.

وما وراء ذلك، هو اتفاق الملك المؤسس مع وزير المستعمرات البريطاني ونستون تشرشل على تأسيس حكومة في شرق الأردن، وتعيين معتمدٍ بريطانيٍ في عمّان.

أهمية هذه المجريات اليوم، في أنها تشرح خطاب الإمارة الناشئة على غير رغبة قوى الانتداب، وانتزاع مساحة عروبيةٍ تمكن من تأسيس دولة طامحة إلى ترجمة الحركة العربية ومبادئها بالتحرر والوحدة.