شذى المبيضين - باحثة في علم النفس

يُقال إن «الطبع يغلب التطبع» حيث يصف الناس بعضهم بصفات تظهر بطابعٍ خاص يميزهم. فمع تشابه هذه الصفات بين الأفراد إلا أن لكل فرد شخصيةً متفردة تميزه عن غيره، حيث يتسم البعض بالهدوء والثبات حتى في المواقف التي تستدعي قلق معظمنا، وبالمقابل نرى من هم قلقين أغلب وقتهم ومثقلين بالهموم، وآخرين يتسمون بالخجل والانغلاق على الذات، والعكس من هم يتسمون بشخصية اجتماعية ومنطلقة، وهناك ممن يتصفون بالعدائية وعدم الاكتراث بالآخرين ويفتقرون إلى التعاطف.

تظهر السمات الأساسية في الشخصية من خلال سلوك الفرد وردود أفعاله تجاه الأحداث والمواقف، والتي تميزه عن غيره، فهي دائمة الظهور في تصرفاته وبشكلٍ ثابت. لذلك نسمع الآخرين وهم يقولون بأن فلاناً يمتلك شخصية عظيمة، شخصية عدوانية، أو اجتماعية... وهذا ما تحدث عنه عالم النفس الأمريكي «جوردن ألبورت» حيث يعتبر من أوائل من درسوا أنماط الشخصية.

فالشخصية هي الأنماط والسلوكات الدائمة التي تميز الفرد عن الآخرين وتظهر خلال محاولته التكيف مع الظروف والحياة اليومية، وتهدف نظريات الشخصية إلى فهم الاختلاف بين الناس واختلاف ردود أفعالهم كاختلاف استجابتهم لنكتة قيلت لهم واختلاف أذواقهم واختلاف استجابتهم للمواقف، كما أنها تساعد على وصف الشخصية السوية.

يسعى الفرد في تعامله مع الآخرين إلى فهمهم وفهم شخصيتهم، فذلك يساعده على اتخاذ القرار بشأن علاقته مع الآخرين وتخفف من تردده وارتباكه من التواصل معهم، وكلُّ منا له نظريته الخاصة عن الشخصية. إلا أن العلماء قد وصفوا الشخصية باستخدام مفهوم السمات وهي تلك الصفات الدائمة والمميزة عند الفرد.

يرى ألبورت أن هناك سمة أساسية في الشخصية ويطلق عليها أم السمات وتظهر دائما في شخصية الفرد وتهيمن على سلوكه وباقي صفاته، وأخرى مركزية وهي التي تتطور وتنمو خلال تجاربنا ومع خبرات الحياة، وسمات ثانوية ترتبط فقط بمواقف وبظروف معينة وأقل ظهوراً وهيمنة.

يرى آيزنك عالم النفس الألماني أن سمات الشخصية الموجودة لدى المرضى في المستشفيات النفسية هي نفسها الموجودة لدى عامة الناس لكن بدرجة مبالغ بها في المقدار والشدة عند المريض، حيث توصل آيزنك لهذه الدراسة عندما قام بتصنيف خصائص الشخصية للجنود المرضى في مستشفىً نفسي في لندن.

وتوصل إلى وجود نمطين للشخصية وهما الانطواء مقابل الانبساط، والعصبية مقابل الهدوء أو الثابت، ويعتقد آيزنك أن الشخصية تتكون من سلوكات مرتبة بطريقة هرمية، حيث في أسفل الهرم تظهر تصرفات تحدث في موقف واحد محدد ولا يتكرر حدوثها، والمستوى الآخر تظهر سلوكات الفرد الأكثر عمومية والتي تتمثل في عادات الفرد التي نلاحظ تكرار ظهورها والتي تحدد سمة شخصية الفرد كسمة الاجتماعية مثلا. ومن ثم أعلى مستوى والأكثر عمومية وهو مجموعة من السمات التي تحدد نمط شخصية الفرد كالانطواء والانبساط أو العصابية و الهادئ.

ومن النظريات ووجهات النظر الأخرى وجود أربعة أنماط للشخصية، حيث يعتبر النمط «أ» شخصية تحب المنافسة والإنجاز بينما يعتبر النمط «ب» معتدل المزاج ولديه قابلية للتكيف مع الظروف ومماطل ولديه ضغط منخفض وإبداعي، ويعتبر النمط «ج» شخصية تمتلك ضميرا عاليا تميل إلى الكمال والكشف عن المشاعر الإيجابية والسلبية، أما النمط «د» يعتبر من الشخصيات القلقة ويمتلك نظرة متشائمة، والحديث الذاتي السلبي وعدم الثقة بالنفس والخوف من الرفض.

تتشكل شخصية الفرد من خلال التنشئة الاجتماعية، بيئة الفرد، الخبرة الحياتية،التربية ومن خلال الوراثة أيضاً، فمثلا قد يميل الفرد وراثياً بأن يكون ودوداً وصبوراً ومريحاً إلا أن العمل في بيئة ضاغطة وشديدة التوتر قد تجعله سريع الغضب وأكثر توتراً من العمل في بيئة مختلفة.

ومن الجدير بالذكر أن الوعي الذاتي يلعب دوراً مهماً في فهمنا لأنفسنا وفهم الآخرين ويتيح لنا تقييم أنفسنا بشكلٍ دائمٍ وتقييم تفاعلنا مع الآخر، وذلك من خلال إدراكِ ردودِ أفعالنا وسماتنا الشخصية وسلوكياتنا ومشاعرنا ومراقبتها والاهتمام بها.

لذا من المهم أن نفهم أنفسنا أولاً ومن ثم الآخرين، ففهم نقاط القوة والضعف التي نمتلكها تساعد في التغلب على الصعوبات التي قد نواجهها في حياتنا، فمثلا من الممكن للإنسان الخجول الذي يتطلب منه عمله بأن يتحدث أمام الجمهور أن يتدرب على الحديث أمام الجمهور مراراً وتكراراً، وأن يقوم بالتمثيل أمام الجمهور بأنه مرتاح ومنفتح أمامهم.. مما يساعده ذلك في التغلب على كونه انطوائياً أمام الجمهور ويعلمه التكرار أن يكون منفتحاً في المواقف التي تتطلب ذلك ولو أنه لا يزال خجولاً في مواقف أخرى.

وأن يثابر الفرد على تغيير جوانب معينة في شخصيته يود تغييرها، مثل تعلمه أن يكون صبوراً أكثر عند تعامله مع المواقف التي تتطلب منه الصبر، والتركيز على الجهود المبذولة بدلا من القدرات، كما أن تغيير العادات وردود الأفعال المعتادة تسهم في التغيير للأفضل.. فاكتساب عادة جديدة أو التخلص من عادة قديمة ليس بالأمر السهل ويتطلب جهداً من الفرد، لكن تكرار السلوك الجديد لعدة مرات سيصبح بعد ذلك عادةً يوميةً ومن ثم نمط حياة جديد. كذلك الاعتقاد بأن التغيير ممكن يجعلنا نبذل جهداً أكبر لتتغير سمات معينة في شخصيتنا، فنحن لا نست?يع تغيير الآخرين لكن نستطيع تغيير أنفسنا.