أ.د. جودت أحمد المساعيد

يمكن تعريف مضيعات الوقت بأنها تلك العوامل التي تقف حائلاً دون إنجاز الأعمال المهمة وذات القيمة العالية التي يسعى الفرد إليها، ويمكن تعريفها أيضاً على أنها تلك الأعمال أو المهام التي تستغرق وقتاً طويلاً لا يتناسب مع القيمة الناتجة عنها، أو أنها الأعمال التي تشغل الفرد كثيراً، بينما المردود الفعلي من ورائها يبقى محدوداً من أجل تحقيق الاهداف المنشودة التي يسعى إليها الفرد بنفسه.

ويعتبر التعامل بذكاء مع مضيعات الوقت أهم استراتيجية من الاستراتيجيات الفاعلة لإدارة الوقت الثمين، ويتمثل تطبيقها في تجنب مضيعات الوقت الكثيرة جداً كالمحادثات الهاتفية المخطط لها أو غير المخطط لها، وبخاصة إذ طال أمدها وتعددت حالاتها وأوقاتها، والزيارات المفاجئة من الأصدقاء أو الغرباء، دون ترتيبٍ مسبقٍ، مما يستهلك من الوقت الذي كان مخصصاً لتحقيق أهدافٍ معينةٍ، ومحاولة إنجاز الفرد لأعمالٍ أو مهامٍ كثيرةٍ في وقتٍ واحد، مع سوء التقدير من جانبه لتحقيق كل مهمة في وقت أقل مما تتطلب، مما يؤدي الى ضياع وقت طويل في إ?جاز مهمةٍ أو اثنتين فقط، وبقاء المهام الأخرى دون إتمام، وغياب الأهداف والأولويات المحددة مسبقاً واستبدالها بأوقاتٍ غير دقيقة وغير قابلة للتحقيق، والاجتماعات الرسمية أو غير الرسمية أو العاجلة، وما يدور خلالها من نقاشات مفتوحة تأخذ وقتاً أطول من المرغوب فيه، مما يؤثر سلباً على إنجاز مهامٍ أخرى لا تقل عنها أهميةً، إضافةً إلى غداء أو عشاء العمل، وما يرافقهما من حوارٍ أو مناقشاتٍ متنوعة بين الجالسين حول المائدة، قد تتناول موضوعات لها علاقة بالعمل وموضوعات أُخرى خارجة عنها، مما يسهم في ضياع الوقت اللازم لإنجاز م?امٍ أخرى قد يكون بعضها عاجلة، والتردد في إتمام الأعمال أو المهام والمماطلة أو التسويف في إنجازها، مما لا يؤدي فقط الى تأخير تسليمها، بل وتراكم الجديد على القديم منها، وغياب المعايير وتقارير الأداء والمساءلة، مما يؤدي الى التلكؤ في أداء الأعمال في الوقت المحدد لها، نظراً لأن الفرد لن يحاسب غالباً على ذلك، ما دام النظام في المؤسسة لا يؤكد على التقارير الدورية للأداء، وطبيعة الذهاب الى العمل والعودة منه، وبخاصة إذا وصل الفرد الى العمل متأخراً في الصباح، واذا خرج منه مبكراَ قبيل الانتهاء منه، مما يؤدي الى ضياع?وقتٍ كان من المفروض استغلاله في انجاز المزيد من المهام أو التخطيط لمهامٍ جديدة، والمطالب العائلية الكثيرة، وما تفرضه على الشخص الإداري أو حتى العادي من القيام ببعضها على حساب وقت المؤسسة، مثل المرض المفاجئ للزوجة أو الاطفال، مما يستدعي ترك العمل جزئياً. وقد تجبر هذه المطالب الفرد الى حضور مناسبات أفراح أو أتراحٍ مفاجئة لأناسٍ تربطه بهم علاقة وثيقة كالصداقة او القرابة أو المسؤولية في العمل، وعدم كفاية المعلومات الواردة من الآخرين، أو عدم دقتها، أو التأخر في وصولها، مما يؤدي الى توقف إنجاز العمل أو المهمة، و?ياع الوقت الثمين نتيجة ذلك، بل وربما يعمل هذا على فقدان الحماسة لإتمام تلك المهمة وصرف النظر عنها والتفكير بغيرها، مما يزيد من ضياع الوقت، وتعيين أشخاصٍ غير أكفياء في مناصب إدارية تتطلب استثمار الوقت بدقة عالية. فمثل هؤلاء الاشخاص الذين لا يملكون المهارات الادارية الكافية، ويميلون الى الدفاع عن أنفسهم بالمبالغة في الكلام والتهرب من إنجاز الأعمال في زمنها المحدد، إنما هم يساهمون بدرجةٍ كبيرةٍ في ضياع الوقت الثمين.

ومن المضيعات الأخرى للوقت، الفشل في وضع حدودٍ واضحةٍ للسلطة والمسؤولية. فكثير من الاداريين يميلون الى التمتع بالسلطة دون الاكتراث بالمسؤولية المترتبة عليهم من حيث القيام بالمهام والأعمال المطلوب إتمامها في أوقاتٍ معينة، مما يؤدي الى ضياع أوقاتٍ ثمينةٍ في القيام بالأعمال الروتينية، والتركيز على المظاهر السلطوية التي تتفشى في غياب المساءلة، وكذلك البريد والأعمال الورقية الزائدة التي يلجأ إليها بعض الإداريين لإظهار أنهم يعملون كثيراً، في الوقت الذي يتبين فيه أن الإنجاز الواقعي في المؤسسة هو في تراجع، والأزمات?الكبرى التي يصعب التخطيط المسبق لها على مستوى الوحدة الإدارية التي يترأسها الشخص، مما يجعله عاجزاً عن التصدي لها، وذلك لأنها تتطلب أحياناً تعاوناً من الإدارة العليا بسبب وقوعها خارج صلاحيات الوحدة الإدارية الصغرى، مما يؤدي الى محاولة تأجيل التصدي لعدم القدرة على ذلك، وضياع الوقت بشكلٍ مُلفتٍ للنظر، والاهتمام الزائد بالعلاقات العامة، والمظاهر الزائفة، على حساب الإنجاز الحقيقي للأُمور والأشياء. كل ذلك بسبب التركيز على الدعاية والإعلان واستقدام الشخصيات المرموقة بقصد إظهار أهمية الوحدة أو المؤسسة، وتعطيل العم? جزئياً أو كلياً في سبيل كل ذلك، والاهتمام بالمجاملات وعدم القدرة على قول (لا) للمسؤولين الكبار، فقد يلجأ المديرون الصغار الى تضييع الوقت في زيارة رؤسائهم مرات عديدة، ومحاولة إطرائهم إذا سمعوا منهم توجيهات أو إرشادات قد تبطئ العمل وتقتل الوقت، بحيث لا يملكون الصراحة في قول كلمة (لا) لهم، إما للخوف على الرزق أو الحياة، وإما خشية عدم الترقي من وظيفةٍ الى أخرى، مما يسهم في ضياع أوقاتٍ على أمور ترضي المسؤولين ولكنها تكون في الغالب على حساب العمل، والإنشغال الزائد في الأُمور والإجراءات التفصيلية والروتينية القا?لة، التي كان من الممكن تفويض آخرين من المرؤوسين للقيام بها اختصاراً للوقت، واستغلاله في أمورٍ أكثر صعوبة وأهمية، وترك عددٍ من المهام قبل إنجازها، والدخول في مهام جديدة، بحجة تأجيلها لبضعة أيام، مما يتطلب فيما بعد بذل وقتٍ جديدٍ لقراءتها للالمام بها ثانية، وتداخل المهام في بعضها، فقد يقوم مسؤول الوحدة الصغيرة بإنجاز مهمةٍ ما أو تقريرٍ معين بذل فيه الوقت الطويل، وقبل رفعه رسمياً بقليل، قد يتصل المسؤول الأعلى متحدثاً عن ذلك الموضوع وإعطاء تعليماتٍ جديدةٍ عن تلك المهمة، مما يؤدي إلى إهمال التقرير الأول وكتابة ?قريرٍ جديدٍ، وتضخم عدد العاملين في المؤسسة أو الوحدة الإدارية، مما يؤدي الى توزيع المهام على الكثيرين، التي لا تحتاج لأكثر من شخصٍ أو اثنين للقيام بها على الوجه الأكمل، مما يؤدي الى الترهل الإداري. وتوجد مضيعات أخرى للوقت مثل قراءة الصحف والمجلات الورقية والإلكترونية، ووسائل التواصل الاجتماعي، وزيادة الاهتمام بها على حساب الأعمال الرسمية، والقيام بالأعمال ذاتها أكثر من مرة، في ضوء تغيير الإدارات العليا، أو في ضوء فهمٍ خاطئٍ بأن مستجداتٍ قد حدثت عليها رغم قصر الوقت الذي مرّ على إنجازها، ووجود موظفين يثيرون ?لمشكلات والمتاعب، مما يجعل الوقت ينصرف في حلها على حساب العمل الرسمي، وقلة الحوافز المادية أو المعنوية، مما يدفع الأشخاص الى التفنن في تضييع الوقت، وذلك نظراً للروح المعنوية المنخفضة لديهم، وحدوث حالات السفر أو الغياب أو الاستقالة، وهذه يزداد تأثيرها السلبي على الوحدة الإدارية أو المؤسسة، وطلب الحصول أحياناً على جميع المعلومات المتصلة بقضيةٍ ما أو مشكلةٍ محددة، مما يتطلب قراءة هذه المعلومات كافةً، وضياع الوقت الطويل في تحليلها، كما أن تغيير الأنظمة أو اللوائح أو التعليمات للمؤسسة يتطلب الوقت الطويل لفهم ال?ديد منها والتأقلم معها، والنظام السيء للملفات، الذي يؤدي الى ضياع كثيرٍ من الوقت في البحث عن تقريرٍ ما أو خطاب ٍ رسميٍ محدد، ووجود المشتتات الذهنية الكثيرة وعلى رأسها الضجيج، بسبب القرب من الشوارع أو الآلات الضخمة، مما يؤثر في إنجاز المهام، ويجعل من الوقت المطلوب لإتمامها أكثر من الأوضاع الهادئة.

كما توجد مضيعات أخرى للوقت مثل عدم وجود مواعيد نهائية لإنجاز الأعمال، مما يشجع على التأجيل، والبدء بتنفيذ أي مهمةٍ من المهام قبل التفكير جيداً بها، وقبل بذل أدنى جهدٍ للتخطيط السليم والمسبق من أجلها،، والتغاضي عن الأداء السيء أو الضعيف للمرؤوسين، نتيجة غياب الرقابة والمحاسبة، مما يجعل معظم الأعمال التي قاموا بها فعلاً غير ذي جدوى، والتسرع في اتخاذ القرارات، مما ينعكس سلباً على العمل وانقاذ الموقف من جديد، عن طريق عقد اجتماعاتٍ متعددةٍ لتصويب الأوضاع على حساب وقت المؤسسة، وإنعدام الانضباط الداخلي بين المرؤو?ين في أي مؤسسة، مما قد يسهم ليس في حدوث الفوضى الإدارية فحسب، بل وكذلك في عدم الاكتراث باستثمار الوقت في إنجاز المهام بدقةٍ متناهية، علاوةً على تشكيل اللجان الكثيرة للمهام البسيطة وغير البسيطة، والاعتماد الكلي تقريباً على قراراتها دون مراجعةٍ أو دراسةٍ أو تدقيق، وعدم تحلي الكثير من الأفراد، بالإصغاء الايجابي للآخرين أثناء النقاش أو الحوار النشط حول قضيةٍ من القضايا، ذلك الاصغاء الذي يتطلب التحليل لكل ما يُقال من آراءٍ أو أفكارٍ أو وجهات نظر، مما يجعل هؤلاء الأفراد غير المتابعين بدقة يطرحون أسئلةً أو قضايا ?م التطرق إليها أثناء المناقشة، مما يؤدي الى ضياع الوقت فيما لا طائل منه، وضعف روح الفريق بين الموظفين، وبخاصة إذا كانت بينهم خلافاتٍ أو تضارباتٍ في المصالح الشخصية، مما يكثر من عمليات التعطيل للإنجاز كعدم حضور اجتماعات اللجان، أو طرح آراءٍ وأفكارٍ متعارضةٍ لحاجةٍ في نفس يعقوب، أو للرغبة في عدم إنجاز العمل ككل، بحجة أنه سيصب في عمل شخص أو اثنين. كل ذلك يؤدي الى ضياع الوقت فيما لا يعود بالنفع على المؤسسة، وحدوث فجواتٍ زمنيةٍ بين إصدار الأوامر أو المهام وبين إبلاغها ووصولها الى المنفذين من جهة، وبين تلقي تقار?ر المتابعة المختلفة عنها من جهةٍ ثانية، مما يؤدي الى اتساع مدى هذه الفجوات، وعدم علم الشخص بما يجري حوله من أحداثٍ أو أنشطةٍ ذات صلة بالمهام التي يقوم بها، مما يجعله ينجز الكثير من هذه المهام بطريقةٍ غير دقيقة، ويؤدي بالتالي إلى إعادة التقارير التي أنجزها من الإدارة العامة للمؤسسة، لعدم مطابقتها للمستجدات التي لم يتابعها المدير، ويكون ذلك على حساب الوقت الثمين للإنجاز المرغوب فيه أولاً بأول.

خبير المناهج وطرق التدريس

profjawdat@yahoo.com