هنالك نمطية سلوكية تجتاح منظومة التفكير الجمعي للأردنيين تحتاج إلى دراسات متخصصة لمعرفة أسبابها ودوافعها ومحركاتها ونتائجها وكيفية معالجتها وفيما إذا كانت ظاهرة مستحدثة نشأت عن الاستخدام لوسائل التواصل الاجتماعي أم أن الحالة أعقد وأعمق من ذلك وتعبر عن ثقافة مستقرة سابقة على نشوء التواصل الإلكتروني وانعكست بالضرورة عليه، لكن بجميع الاحوال نحن أمام مأزق جمعي يتمثل بالتنمر الإلكتروني فشلت بمواجهته جميع المعالجات حتى الآن سواء التوعوية أو القانونية وبات ثقافة منتشرة ووسيلة لنشر المحتوى السخيف..

تصريحات وزير التربية نموذجا حول توفير وجبات التغذية المدعمة للاطفال لقيت ما لقيت من تسخيف وعبث وابتذال الكتروني ولا أدري هل ساهمت العنونة الإعلامية بهذا الإسقاط من عدمه لكن حجم الابتذال الإلكتروني كان ضخما لقضية وطنية كان يتوجب أن تناقش بوعي وان تلقى عناية الإنسان الحريص بالبحث، ما الذي يعنيه تقديم تلك الوجبات المدعمة وهل كان ذلك ناشئاً عن دراسات علمية لما يعانيه أطفالنا من فقر تغذية للعناصر الأساسية التي تحتاجها أجسامهم وهل جرت دراسات لاحقة على اثر الدعم الغذائي المدرسي وهل حقق نتائجه المرجوة من عدمه باعت?اره مشروعا ينفذ منذ سنوات لكن للأسف وعلى الرغم من الأهمية الشديدة لهذا الموضوع الذي قد يتوقف عليه مستقبل جيل كامل في تحصيل المعرفة والبناء الذهني والبدني والنفسي السليم للناشئة إلا أنه جرى التعامل معه الكترونيا بمنتهى التسخيف والتسطيح والابتذال..

نمطية «التسخيف» أعلاه هي نفس العقلية والنفسية التي تعاملت مع فكرة وصول مسبار فضائي تابع لمشروع عربي إلى المريخ ازدراءً وتقليلاً من شأن ما حصل ولو كان مشروعاً بحثياً أو ناشئاً أو محطة لتعريب علوم الفضاء يوماً ما وهو نفسه الذي تعاطى مع كورونا بوصف المؤامرة وهو نفسه الذي رفض اللقاح وهو الذي آمن يوماً بأن الفيروس عقوبة من الله للصين بسبب مسلمي الروهينجا وهو أيضا نفسه بشحمه ودمه الذي خلف وراءه عشرات الأطنان من القمامة في البحر الميت قبل أيام وكاد يؤدي إلى كارثة بيئية كبرى لولا تدخل أمانة عمان لتنظيف نتائج المخل?ات العقلية والنفسية فنحن أمام حرب شعواء مدخلاتها ومخرجاتها الاخلاق التي تقود لتشكيل ثقافات أفضل من الوعي الاجتماعي الجمعي..

ما يحصل من تسخيف وتسطيح لقضايانا الوطنية الأردنية والتهريج أكان موجهاً من عدمه يستدعي حملة من مدخلات الوعي من مثقفين وإعلاميين وقانونيين واستخدام منظومة الدولة لكل ادواتها في حرب مضادة باعتبار ذلك ينطوي على مخاطر استراتيجية لا تقل مستوياتها واثارها وسلبياتها عن ازمات المياه واللجوء والجوائح الصحية لأنها مؤشر قوي على خلل بنيوي نفسي وذهني قد تقف خلفه منظومات كاملة من عمليات معقدة في هندسة الاعتقاد والتوجيه والاسقاط ولا تتوقف خطورته على الجوانب الاجتماعية والسلوكية فقط بل هي متعدية إلى الجوانب السياسية فكيف ل?جتمع ساهمت نسبة لا تقل فيه عن 30٪ من التنمر الالكتروني حول تصريح مهم الدلالة لوزير التربية أن نثق بمخرجات صندوق اقتراعه إذا كان لا يعرف أن يضع القمامة في صندوقها المخصص!؟ نعم كما مارسنا عمليات نقد الحكم والسلطة علينا أن نمارس هذا النقد بمواجهة المجتمع..