محمد المشايخ

(كاتب وناقد)

في الوقت الذي أعلن بعض النقاد موت فن القصة القصيرة، تظهر مجموعة «حرائق حلم» للقاصة انتصار عباس، لتساهم في إعادة ذلك الفن إلى عصره الذهبي، ولتجعله يتربع على عرش الأجناس الأدبية والفنية.

وتكتب انتصار عباس قصصا عميقة للنخبة، وتطلق العنان لخيالها ولأحلامها ولمونولوجاتها وتداعياتها لتبتكر أحداثا ووقائع وشخصيات قد تندرج ضمن الغرائبي، جاعلة هذا الفن يغادر الأقانيم التقليدية التي سار عليها لعقود خلت.

معظم قصص انتصار عباس متخيلة، وليست سردا تسجيليا لأحداث واقعية، وهذا لا يعني أنها منفصلة عن الواقع، بل إنها بفنيتها العالية، كانت تجعل لذلك الواقعي طابعا تخييليا، عبر استخدامها الأساليب البلاغية، واستغلالها الموارد اللغوية المؤثرة في القارئ، والتي تبث التشويق والجاذبية والاندهاش لديه، لتذكرنا من حيث لا تشعر بمقولة «الخيال أبو القصة والحياة أمها»، وهنا تتبدى المفارقة في أجمل صورها، إذ تقول القاصة: «حلم أعمى يراقص النور»، وتقول: «علينا أن نجمع بين الأضداد: الموت والحياة، الفرح والألم، الحب واللاحب».

واستبدلت القاصة انتصار عباس الزمن التصاعدي بالزمن النفسي وتقنية التداعي الحر، الأمر الذي جعل قصصها تتفاعل مع ازمنة متعددة، يتصدرها الزمن الواقعي الذي تنطلق منه الأحداث، ثم أزمنة التداعي والمونولوجات التي لا تخضع للسيرورة التعاقبية، وإنما تشبه الحركة الحرة في أزمنة ماضية أو مستقبلية تفجرها الأحلام، ويغذيها الخيال، لتحقق الذروة عبر الزمن الدائري.

ولأن انتصار عباس قاصة ملتزمة بهموم الجماهير، وقادرة على التعبير عن ذلك الالتزام بأدوات البلاغة العربية وما فيها من تشخيص وتجسيد يحيل الجمادات إلى كائنات حية، تستوعب البشر والشجر، فقد وظفت عبر هذه التقنية، الواقعية السحرية وما فيها من فنتازيا وغرائبية لغايات فنية تسمو بفن القصة وترتقي به إلى مرحلة ما بعد الحداثة، ولغايات فكرية حالمة بعالم إنساني يتحقق فيه التكامل بين البشر بعامة، وبين الرجل والمرأة بخاصة، لا سيما أن معظم قصصها تدور حول أحلام المرأة العربية وآمالها وتطلعاتها وبحثها عمن يمكن أن تسند ظهرها إليه في الملمات.

وما يؤكد ذلك أن معظم قصص عباس فيها شخصيات نسائية تبحث عن شخصيات ذكورية مفقودة، وخاصة الأب، ولكي يتم اللقاء بين تلك الشخصيات، لجأت القاصة لما يُسمى «البنية المشهدية» التي ملأت قصصها باللقطات السينمائية الحية، والممزوجة بتقنية الاسترجاع المرتبطة بتوظيف الزمان في القصة، إذ كانت تجعل كل جزء من الأحداث يتصل بالأجزاء الأخرى، ليكمل القصص التي كانت تسعى للكشف عن الشخصيات أو الأحدث المفقودة. وللدلالة على الواقعية السحرية وما فيها من فنتازيا وغرائبية، يمكن إحالة القارئ إلى قصتها التي تجعل بعض الأشخاص يدخلون في المرايا، وإلى قصتها «حكاية اصابع»، حيث يدخل الناس، والشجر، وحتى الشارع في اللوحة.

ولجأت انتصار عباس في معظم قصصها، وحتى منذ عنوان المجموعة، لتقنية الحلم، لما فيه من تعويض عن الواقع، ومن تصوير لمعاناة النفس الإنسانية في حالة فقد أعز إنسان لديها، ومن استشراف للمستقبل الذي قد تتحقق فيه المعجزة التي عبّر عنها قيس بن الملوح حين قال: «وقد يجمع الله الشتيتين بعدما/ يظنان كل الظن أن لا تلاقيا».

وقد انتمت معظم الشخصيات الحالمة في قصص انتصار عباس إلى الفئات المسحوقة ولمن يُطلق عليهم «المعذبون في الأرض»، ولمن أطلقت عليهم الكاتبة في بعض القصص اسم «اللاجئون» سواء وهي تشرح معاناتهم على اليابسة، أو في أثناء سفرهم تهريبا في البحار والمحيطات.

وقد أدت الأحلام في هذه المجموعة دورها، فكانت وظيفة التعويض: إخفاء الحمولة الفكرية المتمثلة في تسييس فن القصة والتنفيس عن الشخصيات التي تعاني الحرمان بعد فقدها أعز وأقرب الناس لها، وكانت وظيفة تصوير المشكلات: الكشف عن أسباب معاناة الشخصية في بعديها الخاص والعام، وكانت وظيفة استشراف المستقبل: تزويد الشخصية برؤية ثاقبة عن قادم الأيام وتهيئتها لما هو متوقع، وكانت وظيفة التحذير: تنبيه الشخصية إلى الخطر وحفزها لتصحيح أخطائها.

وقد أبرزت هذه الأحلام، خصوصية المبدعة انتصار ووعيها وعمق تجربتها، لذلك استخدمت تقنية الحلم وهي تعرف أن أهم خصائصه تعطيل المنطق، والجنوح نحو تحولات غير منطقية، وتحويل الأفكار إلى صور رمزية تعتمد التكثيف والنقل والقلب في تشكيلها، كما استخدمت تقنية الحلم وهي تدرك أن فنية الحلم ومستواه الجمالي كان مرهونا بقدرتها على الإيحاء ووضوحه وانكشافه وجاذبيته.

وبقدر ما حققت الكاتبة في أحلام شخصياتها من خصائص سيكولوجية، فقد ضاعفت جماليات القص وعمّقتها لتصبح مشروعاً للدهشة.

أما القصص القصيرة جدا التي تضمنتها المجموعة، فقد راعت فيها القاصة كل التقنيات الموضوعية والجمالية التي ينبغي توافرها في هذا الفن، ومن ضمنها: وحدة الحبكة والعقدة، والتكثيف، والمفارقة، والتلوين الأسلوبي، والتشخيص، والتجسيد، والرمز، والإيماء، والتلميح، والإيهام.