أبواب - زياد عساف

زمان قالوا في الأمثال (الميِّة تكذِّب الغطَّاس)، وهذا ما أكَّده أساطين النغم في الكويت ممن أراد لهم ذووهم احتراف الغطس بهدف العودة ب اللآلىء الثمينة، إلا أنهم اختاروا مساراً مختلفاً لحياتهم وعادوا لنا متوّجين بلآلىء الألحان والأنغام ما شكَّلْ إضافة نوعية لمسيرة الأغنية العربية حين كانت في أوج ازدهارها وتألقها لتغدو الأغنية الكويتية مرجعاً ثرياً للأجيال اللاحقة،يؤكد ذلك التجاوب الملفت لشباب في مقتبل العمر وهم يستعيدون أعمال الرواد من أبناء وطنهم عبر أمسية أو برنامج تلفزيوني أُعِدَّ لتكريم نجوم لهم تاريخ حافل ساهم بترويج الهوية الثقافية لبلادهم في دول عديدة على المستوى العربي والعالمي.

شغف..

على امتداد الوطن العربي تتشابه الحكايات والظروف التي صنعت خيرة مبدعي الغناء والموسيقى، ومنهم أعلام الأغنية الكويتية وهذا ما أكَّدته دراسة مستفيضة لمجموعة منهم ضمن سلسلة (المنسي في الغناء العربي) الصادرة قبل سنوات في صحيفة الرأي الأردنية لكاتب هذه السطور،ونستعيد في هذا المقال بعضاً من هذه الأسماء ومنجزاتها التي تؤكد تلك القواسم المشتركة الإبداعية بين رواد النغم في معظم البلاد العربية.

» الشغف » هو كلمة السر التي أشارت لميلاد هولاء الفنانين، ودفعتهم اللهفة لاستراق السمع للأغاني المنبعثة من المقاهي الشعبية عبر جهاز الأسطوانات القديم أو ما يُطلق عليه الفونوغراف،و أجبرت ظروف الفقر بعضهم لادخار قروش قليلة لاستئجار جهاز التسجيل من صاحب المقهى والإستمتاع بما طاب لهم من أغاني بأصوات عمالقة الطرب والسلطنة بفترة العشرينيات والثلاثينيات أمثال منيرة المهدية وصالح عبد الحي وعبدالوهاب.

احتراف..

في مرحلة الطفولة التحق معظمهم في مراكز تجويد القراّن وحفظه على يد بعض الشيوخ في الكتاتيب والجمعيات الدينية ما أكسبهم سلامة مخارج الحروف والقدرة على التنوع في أداء المقامات الموسيقية، وهذا ما سبقهم إليه كبار نجوم الغناء العرب أمثال عبد الوهاب وأم كلثوم وسيد مكاوي ومحمد عبد المطلب،وكان إتقانهم للتجويد أحد الأسباب التي ساهمت بصقل أصواتهم ومقدرتهم على التنقل بين المقامات الموسيقية بدرجة عالية من الإحتراف.

ميزة أخرى اكتسبها مطربوا الكويت القدامى في سنوات عمرهم الأولى جاءت نتاج التحاقهم بالعمل في مراكب الصيد وتأثرهم بالأغاني التراثية التي يرددها البحارة مثل أغاني الأصوات وأغاني البحر والنهمة، ثم تولوا هذه المهمة فيما بعد وعملوا بمهنة النهام الذي يشدو بهذه الفنون الغنائية ليخففوا من عناء وتعب البحَّارة، ومع تأسيس الإذاعة الكويتية عام 1951 تم تشكيل لجان لاختيار النصوص واختبار الأصوات وإجازة صاحب الصوت المؤهل لاعتماده كمطرب في الإذاعة على غرار مصر وبعض البلاد العربية اّنذاك ما أفرز مجموعة من الأصوات المتميِّزة على عكس ما يحدث الآن.

انفتاح..

الأغنية الكويتية لم تكن منغلقة على ذاتها فيما مضى ما ساهم في ازدهارها وجاء تأثرها واضحاً بفنون دول عربية وأجنبية خاصة المدرسة المصرية في الغناء، ساهم في ذلك إلتحاق نسبة كبيرة من المطربين للدراسة بمعهد الموسيقى العربية في القاهرة،ومنهم من زار أرض الكنانة وأقام بها بعض الوقت بهدف تسجيل بعض أعمالهم وكانت فرصة للتواصل والاستزادة في هذا المجال.

إنجازات أخرى..

يتفق كثيرون أن من رحم المعاناة يولد الإبداع، وهذا هو حال أغلبية مطربي الكويت ممن ظهروا في العقود الأولى من القرن العشرين إذ عانى أغلبهم من رفض الأهل والمجتمع لفكرة الغناء باعتبارها فعلاً مشيناً يتعارض مع الدين والعادات من منظورهم، واضطر أغلبهم لممارسة هذه الهواية أوالعمل بها في السر،ومنهم من ارتأى السفر تجنباً للصدام مع العائلة واّخرون لجأوا لإخفاء اسم العائلة لهذا السبب كحال شيخ الأغنية الكويتية عبداللطيف الكويتي (1901–1975) الذي قدم نفسه بلقب (الكويتي) بدلاً من إسم العائلة (العبيد) حسب ما أورده الباحث د. صالح الغريب في كتابه (عبد اللطيف الكويتي مطرب الكويت الأول). من إنجازات هذا الفنان تعاقده مع شركتي أسطوانات بيضا فون وأوديون لتسجيل أغاني من التراث الكويتي على أسطوانات في بغداد، ورغم إصابته بالشلل إلا أنه طاف العديد من المدن العربية والأجنبية لإبراز هوية الأغنية الكويتية مثل: القاهرة ودمشق وحلب والموصل وبيروت والقدس وحيفا والإحساء وأثينا وروما ومومباي ودلهي، وفي عام 1965 عهد إليه التلفزيون الكويتي بتسجيل أغاني من التراث لحفظها من الاندثار وتنوعت مابين: السامري والغماري والنجدي وألوان غنائية أخرى،و تضمن أرشيفه الغنائي مئات الأغنيات منها الدينية والوطنية والعاطفية وأغاني القصائد.

إرادة..

وفي نفس الفترة التي ظهر بها عبداللطيف الكويتي تواجد المطرب والموسيقار عبدالله فضالة (1900–1967)، ورغم الطفولة القاسية التي عاشها وتوافق وفاة والده مع فقدانه للبصر وهو في سن السادسة، إلا أن ملامح الإرادة في شخصيته تجلَّت بإحضاره لمجموعة أوتار وتثبيتها على لوح خشب ليعزف عليها تعويضاً عن العود الذي لاتسمح له ظروفه المادية باقتنائه ثم راح يتابع مشواره في دروب الفن، وفي عام 1927 سافر لبغداد أيضاً مع مجموعة من أبناء جيله من المطربين لتسجيل أعمال من التراث الغنائي الكويتي على اسطوانات وبعدها بسنتين أكمل رحلته لتسجيل أغاني في القاهرة ليضاف فضالةإلى سلسلة حراس التراث الغنائي الكويتي.

لم يقتصر إبداعه على الغناء فبالإضافة لتأليفه كلمات مجموعة من الأغنيات تميَّز كملحن وخص نفسه بمجموعة ألحان وغنى مطربين كويتيين وعرب من ألحانه أيضاً،وواحدة من المحطات المهمة في حياته التحاقه للعمل في إذاعة البحرين عام 1945، وعاد للالتحاق في إذاعة الكويت مع بداية تأسيسها عام 1951 وتسلم عدة مهام منها عمله بلجنة النصوص واختيار الأصوات.

تطوير..

ويبقى لعبدالله فضالة بصمات خاصة أحدثت تطوراً في الغناء الكويتي وأهمها مساهمته بالخروج من الشكل التقليدي للأغنية الكويتية المرتكزة بأغلبها على الطبل والتصفيق المصاحب للغناء وأدخل البيانو ضمن الألات الموسيقية للفرقة ولأول مرة في محاولة لأن تتخطى الأغنية الكويتية حدود موطنها للبلاد العربية والأجنبية مع الإبقاء على الألات الرئيسية مثل العود والكمان،وبدا تأثره واضحاً بالموسيقى المصرية واليمنية والهندية وبأسلوب أكسب الأغنية سلاسة وبساطة عزز من نجاح ألحانه، وكانت حصيلة أعماله المئات من الأعمال الوطنية والدينية والعاطفية والساخرة الفكاهية أيضاً، منها المأخوذ من التراث أو أعمال من ألحانه، ولم يتردد بأن يغني من ألحان غيره من الموسيقيين الكويتيين والعرب.

التعبير الغنائي..

إخفاء العود تحت العباءة لحظة مروره في الطريق وممارسته لهوايته في السر كانت الطريقة المتاحة للفنان سعود الراشد (1922–1988) تلاشياً لسياط نظرات الأقارب والجيران الرافضين لفكرة أن يكون أحد معارفهم يعشق أو يمتهن الغناء، ثم توالت الأعوام وأخذ يحقق العديد من الإنجازات الفنية، وتبقى المحطة الأهم زيارته للقاهرة عام 1957 وتسجيله لخمس أغنيات في إذاعة صوت العرب،منها ثلاث أغنيات من التراث الشعبي مستعيناً بفرقة أوركسترا وكورال الإذاعة وتوظيف أسلوب التعبير الغنائي سائراً بذلك على نهج سيد درويش ومحافظاً على اللحن الأساسي مع التغيير في الإيقاعات الموسيقية، وكانت أول حالة تحول في الأغنية الكويتية والنقلة الأولى في مرحلة تطورها، وعليها أُجيز الراشد كملحن معتمد في إذاعة صوت العرب المصرية، ما شجَّع فيما بعد على استقدام فرقة موسيقية كاملة من مصر عام 1959 تضم عازفين ومغنين وكورال بقيادة عازف الكمان نجيب رزق الله.

وامتلك الراشد من الموهبة والقدرات ما أهله لتقديم ألحان لأشهر المطربين والمطربات الكويتيين والعرب.

صوت السهارى..

«كمن يسبح في مياه الخليج الدافئة» هكذا وصف الموسيقار عبد الوهاب شعوره في كل مرة يستمع بها لصوت عوض الدوخي (1932–1979)، وقد أبهر أم كلثوم وهي تستمع لأغانيها بصوته كونه الوحيد الذي لم يقلدها بل قدم أغانيها بإحساسه وأسلوبه الخاص به ورغم سنوات عمره القليلة إلا أن الدوخي كان أول مطرب كويتي استطاع الوصول بصوته لكافة الدول العربية، ولو اقتصر عطاؤه على أغنية (صوت السهارى) فقط فهذا وحده كفيل بأن يجعله في مصاف نجوم الغناء العرب.

كُفِّي الملام..

تنازل عن تقديم نفسه للجمهور بإسمه الحقيقي عبدالعزيز المفرج (مواليد 1939) وأطل عليهم بإسم الشهرة (شادي الخليج) في محاولة لإخفاء خبر امتهانه الفن عن والده الذي عرف ذلك من خلال الجيران متأخراً ممن حضروا لتقديم التهاني له بعد سماعهم أغنية بصوت إبنه في الإذاعة، ومهما قيل عن مسيرته الفنية يحسب لشادي الخليج أن جعل البحَّار الأمي البسيط يردد أغنيته (كفِّي الملام وعلليني) بكل بساطة وسلاسة رغم أنها باللغة العربية الفصحى والتي ليس من السهل حفظها إلا أن روعة اللحن والأداء ساهمت في تخطي هذا الحاجز، دراسته الموسيقى في مصر جعلته واحداً ممن تأثروا بالمدرسة المصرية في الغناء أيضاً، وهذا ما نلمسه في أعماله مثل: (أحبه حبيبي) و(حبيبي راح وخلَّاني).

ومن المهام التي أوكلت إليه تطويره لمناهج التربية الموسيقية في وزارة التربية،والتحاقه بحركة الكشافة في البدايات جعله ينهل من الأناشيد الوطنية والموسيقى العسكرية والتي هي من ضمن طقوس الحركات الكشفيه،ومن هنا يتضح سر تميُّزه في الأغنية الوطنية وتحديدا في الأوبريتات الوطنية التي اعتاد أن يقدمها كل عام في العيد الوطني للكويت، ومنها (موكب الوفاء) الذي تغنى به في كل البلاد العربية مقدماً لوحات غنائية تمثل كل بلد،وموظفاً الإيقاعات والمقامات الموسيقي التي تميزت بها كل دولة.

عاشقة الليل..

عبد الحميد السيد (1938- 2014) علم موسيقي كويتي اّخر له حضوره على الساحة الغنائية العربية، وصاحب إنجازات عديدة،ومنها احداث حالة من المواءمة بين التراث الغنائي الكويتي والموسيقى الدارجة، وقدم للأطفال أغنيته الشهيرة (هيلا يا رمانة) بصوته وألحانه فأحبها الكبار والصغار واشتهرت على امتداد الوطن العربي، وكان أول من قدم أوبريت إذاعي غنائي (عاشقة الليل) بالتعاون مع الملحن يوسف المهنا وبطولة المطربة المصرية بديعة صادق، وغنى له أشهر المطربين والمطربات العرب وتبقى المحطة الأبرز أن غنى عبد الحليم حافظ من ألحانه في أواسط الستينييات (يا هلي)،وبدا الإنسجام واضحاً بينهما والسر في ذلك أن عبد الحميد السيد من خريجي معهد الموسيقى العربية في القاهرة ما سهَّل عليه التاّلف مع الروح المصرية في الغناء.

الكويت بأصوات عربية..

تعاون عبد الحليم وعبد الحميد السيد كان من ضمن سياسة إعلامية خطها الشيخ جابر العلي الصباح وزير الإرشاد والأنباء اّنذاك بهدف الترويج لفنون الكويت وتراثها الغنائي عبر إنجاز أعمال مشتركة بصوت مطربين عرب وألحان وكلمات لموسيقيي وشعراء الكويت، وكانت واحدة من أهم حالات التواصل الفني العربي بين الأشقاء، ومن هذه الأعمال غنى عبد الحليم أيضاً (عيني ضناها السهر) من ألحان سعود الراشد، ومن ألحان حمد الرجيب ((يا فرحة السمَّار)، وفي السياق ذاته تغنى بألحان كويتية نجوم الأغنية العربية وقتها أمثال: فايزة أحمد ونجاة الصغيرة وشريفة فاضل وهيام يونس ونجاح سلام و صباح وكارم محمود ومحرم فؤاد.

من الجهرا للسالمية

وبالفترة ذاتها حضر كبار المطربين العرب وقدموا بصوتهم مجموعة ألحان تتغنى بالكويت كأم كلثوم التي زارتها في الستينيات أكثر من مرة وغنت للكويت: (أرض الجدود) و(دارنا يا دار) بالإضافة لمجموعة من أغانيها العاطفية،وفي زيارتها الثانية تبرعت بالعائد المادي من حفلاتها للمجهود الحربي بفترة حرب الاستنزاف عام 1968. ومن المشاركات الأخرى غنى محمد عبد الوهاب (الكويت العربية)،فريد الأطرش (يا مرحبا يا كويتنا) و(أرض الكويت يا بلادي)، وعاد عبد الحليم ليغني لمدن الكويت وعيدها الوطني (من الجهرا للسالمية رافعين علم الحرية) و(العيد العيد واخدانا فين يا فرحة)، نجاة (بلدي المحبوب) و (يا ساحل الفنطاس)، هيام يونس (يا كويتنا) و (حبيي ساكن الدسمة) ومن ألحان الرحابنة غنت فيروز على مسرح سينما الأندلس: (العيد يروي سناها يلثم منها المحيا).

الأغنية النسائية الكويتية..

صعوبة مضاعفة واجهتها المرأة الكويتية في الإلتحاق بركب الغناء ولسنوات عديدة واقتصر حضورها على الإلتحاق بالفرق النسائية الغنائية التي تقدم وصلاتها في الأعراس والمناسبات الدينية والإجتماعية، ومنها فرقة سعاد البريكي وفرقة إم عنتر الجيماز وفرقة أم زايد،وكان الحضور الأبرز لفرقة الفنانة عودة المهنا (1907–1984) ومن خلالها اشتهرت المطربة الكويتية الأصيلة عائشة المرطة (1943–1979) والتي أصبحت مطربة الكويت الأولى فيما بعد. إنجازات كثيرة تحسب للفرق النسائية وأهمها مشاركة المرأة فيما بعد ضمن الكورال الغنائي المصاحب للمطرب ما أحدث تطوراً في الغناء الكويتي، وحفاظ هذه الفرق على تراث الأغاني المتعلق بالطقوس النسوية في الجلسات الخاصة، كأغاني دق الهريس الفلكلورية التي ترددها النسوة أثناء طحن القمح تحضيراً لشهر رمضان المبارك، وأغاني الأعراس وحنِّة العروس.

بس يا بحر..

ويضاف لذلك أيضاً توظيف الفرق النسائية في خدمة الدراما الفنية كمشاركة فرقة عودة المهنا فترة الخمسينييات في مسرحية (على أمه ندر)، (سكانة مرته) و(مطر صيف) وبفيلم سينمائي تسجيلي عن عادات وتقاليد الزواج في الكويت، وكان لفرقة (أم زايد) مشاركة هامة بالفيلم الكويتي المتميز (بس يا بحر) 1971 للمخرج خالد الصديق، وساهم توظيف الفرقة ضمن السياق الدرامي للفيلم حصوله على جوائز عربية وأجنبية، وفي عام 2012 تم إعادة تشكيل الفرقة النسائية الكويتية وتضم مجموعة من الشبان والشابات.

تعتبر الفنانة ليلى عبد العزيز (مواليد 1947) من التجارب الفنية النسوية الهامة في الكويت وهي صاحبة الأغنية الشهيرة (الأسمرانية)، وما يميِّز تجربتها أنها أول امرأة ملحنة في الخليج العربي، غنى من ألحانها نجوم الطرب في الكويت والدول العربية أمثال غريد الشاطئ، عبدالله بالخير،عليا التونسية،محرم فؤاد، هاني شاكر، عايدة الشاعر،نجاح سلام وغنت المطربة شادية من ألحانها أيضاً (اّه منك يا طيري).

رؤية..

وتبقى النتيجة المهمة التي نستخلصها من كل ما سبق أن المنجز الإبداعي للدول لا يُقاس بمساحة البلد وعدد سكانها، فالكويت هي أحد الأمثلة الساطعة التي تؤكد ذلك، فرغم صغر حجمها وقلة عدد سكانها إلا أنها وبفضل مبدعيها شكَّلت إضافة نوعية ومؤثرة في تاريخ الغناء العربي.