أبواب - وليد سليمان

يُعدُّ الشاعر الرائد د.محمود عبده فريحات واحداً من الشعراء الأردنيين القابضين على جمر اللغة العربيّة، ومن شعراء الرعيل الأوّل الذين علِموا ما للغة العربية من كنوز وفوائد، وهو شاعرٌ ذو حس لغوي وبيان جميل في كتابة القصيدة العمودية التي اشتهر بها، وحفظ بها مواضيع مهمّة، مثل التاريخ الذي كتبه في مطوّلات رائعة تحت عنوان «تاريخنا في ملحمة».

ومن المشهود للشاعر واللغوي د. فريحات كذلك محاربته للأخطاء الشائعة في اللغة العربية التي صححها في ما أطلق عليه اسم «إلياذة فريحات». وهذا الشاعر الذي كرّمه وزير الثقافة الدكتور باسم الطويسي في مكتبه مؤخرًا، هو من مواليد عام 1931، حيث اشتغل بالتدريس في المدارس الحكوميّة مدّة ثلاثين سنة، وما يزال طلبته وجمهوره يحبون الاستماع إليه ويفضّلون شعره ويستعيدون معه حال اللغة العربيّة التي يحاولون إيصالها للأجيال والاحتفاء بها, في زمن الكتابات السهلة وخلو الذائقة من رومانسية اللغة, وصورها الفنية وتعابيرها التي تستوعب كلّ جديد.

• المسرح الشعري

ولقد كتب محمود عبده فريحات في المسرح الشعري المدرسي, وبثّ في نفوس الطلبة في عقود سابقة من الزمن أساسيات التعليم والإحساس الوطني والأخلاق والحكمة عن طريق قصائده الطويلة.. وهي قصائد تحمل الفكرة وتتجدد في كل أبياتها.

وللشاعر فريحات رأيٌ في الشعر حين يحمل الفكرة التعليمية والوعظ والنصيحة، لكي يبقى محافظاً على رونقه وبهائه اللغوي, ومميزات القصيدة العمودية التي تحمله، في عدد كبير من الأبيات تصل إلى ثلاثة آلاف بيت في قصائد من هذا النوع.

• في حفل التكريم

ويرى الشاعر فريحات أن تكريمه من قبل وزارة الثقافة هو تعبيرٌ عن أنّ الدنيا ما تزال بخير, وأنّ اللغة العربيّة محل احترام وتقدير من وزير الثقافة الدكتور باسم الطويسي.. وفي هذا المجال يقول فريحات في حفل تكريمه هذه العبارات القوية الدّالة على سعة مخزونه اللغوي وفهمه لمعاني المفردات وقوّتها وجزالتها: (... وإننا نحن الأردنيين أقوى من الهرم والضعف والشيخوخة, والحقَّ أقول وللثقافة إمرة تضمّ أصدق أسرة.. وبالثقافة معنى.. يُطلّ وجه الحضرة.. معاهد الثقف كثرة.. ولؤلؤٌ ومجرّة.. والصبح يكتب طرّه.. أردنُّ يا خير أسرة.. نعم صباح المسرّة).

ويؤكّد وزير الثقافة الدكتور باسم الطويسي في حفل التكريم أنّ الشاعر فريحات وهو ينافح عن لغتنا العربية ويضيء بها على الأجيال ويخلص لها؛ إنّما يعبّر عن نفسه الطيبة وإحساسه الكبير، لتبقى كتبه ومؤلفاته ودواوينه وقصائده التعليمية والمسرحية والوطنيّة وساماً على جيدِ المكتبة، فيؤكّد لنا أنّ الشعر هو حافزٌ للهِمم والنهوض واحترام المبادئ والأخلاق والحس الوطني والإنساني.

وعن أشعار فريحات ومطولاته الشعريّة، يقول الشاعر إبراهيم السواعير: إنّ فريحات له ذائقة جميلة في أفكاره المتجددة وألفاظه كذلك، كما أنّ قصيدته غير جافة وفيها حياة.. حيث تعبّر عن الشاعر الذي يعرف كيف يستخدم المعجم, ويتخيّر منه ما يناسب قصائده العصماء الجميلة, التي تلامس إحساس القدماء والشباب على حدٍ سواء.

لذلك فحضور الشاعر واللغوي فريحات في اتحاد الكتاب والأدباء الأردنيين حيث كان مسؤولاً في فترات سابقة عن ملفّ الشعر وعن لجنة العضوية فيه؛ يؤكد قيمته ونصيحته التي كان يقبلها أعضاء الاتحاد, ويعملون بها عند التنبيه على الأخطاء اللغوية... فهو رجلٌ أعطى عمره كلّه للغة العربية، فقد ظلَّ سائراً لا يعمل إلا لها، ومحتسباً أسلوبه في قصيدة الوطن والتعليم, والذات والغزل والنصيحة والحكمة, ورواية التاريخ بالشعر.

وكان الشاعر فريحات قد تحدث خلال حفل التكريم: » وماذا أقولُ لمن يقول لي أجئتَ تبيعنا ماءً وإنّا..سقينا الشرق والبيد المياها».. وأنا لا أجد حرجاً في أن أتحدث عن الثقافة أمام فرسانها وأمرائها ومعلميها ومدارسها وعزّتها وكبريائها وحُماتها وأهلها ورجائها!! إنني أتحدث أمام أبنائي وبناتي ولا أجدُ حرجاً ولا لوماً ولا عتاباً منهم الأبناء والبنات.

• مجمع اللغة العربية الأردني

هذا ولا تكاد تمرّ مناسبة إلا ونجد فيها محمود عبده فريحات «أبو فراس» حاضراً وبليغاً يشار إليه بالبنان يصفق له الحضور طويلاً، وحين يسمع هذا الشاعر بوفاة عالم لغة أو معجمي أو من له فضلٌ على اللغة العربية يبادر راثياً وحزيناً في شعره، كقصيدته التي رثى بها العالم الجليل «د.عبدالكريم خليفة» رئيس مجمع اللغة العربية الأردني الأسبق، وفي ذلك يقول من قصيدة طويلة تحت عنوان «عبدالكريم خليفة جيلٌ فقدناه":

عبدَالكريمِ.. فما أعزّكَ أمّةً

للأمتينِ.. وما أعزّكَ جيلا!

جيلانِ أنتَ..فلا وربّكَ تسعةٌ

جيلٌ وراء الجيلِ يدفعُ جيلا

واللهِ..ما جيلٌ سيولدُ في غدٍ

إلا ليأتيَ شاهداً ورسولا

هل قيلَ باب العلمِ أُغلقَ بابُهُ

أم قيلَ نشهدُ عالماً مغلولا؟!

وإذا عُددتَ.. عُددتَ وحدكَ أُمّةً

ولَكَمْ وكم جيلٍ يُعدُّ دليلا!

وبكى الزمان عليكَ نهراً من دمٍ

ودمُ الزمانِ عليكَ فاق النيلا!»

• السيرة الغنية

وُلد محمود أحمد فريحات في اليامون/ جنين سنة 1931، أنهى الثانوية العامة سنة 1950، وحصل على شهادة البكالوريوس في علم النفس التربويّ سنة 1955, وعمل مديرَ مدرسة في وزارة التربية والتعليم لمدة ثلاثين سنة في مدرسة ماعين الثانوية بمادبا، ثم في مدرسة أم جوزة الثانوية بالسلط، ثم في مدرسة بلال بن رباح بعمّان.

كتبَ فريحات مسرحيات في المناسبات الدينية والوطنية، حُوّل بعضها إلى عروض مسرحية قُدمت في الجامعة الأردنية من إخراج عمر قفّاف، كما واظب على الكتابة لمدة خمس عشرة سنةً في صحيفة «الصحفي» الأسبوعية التي كانت تَصدر في عمّان, ومُنح وسام التربية والتعليم من وزارة التربية والتعليم سنة 1975.

وهو عضو في اتحاد الكتاب والأدباء الأردنيين، وشغل عضوية هيئته الإدارية لدورات عدة، كما رأسَ لجنة الشعر فيه.

من أعماله الأدبية: «أجنحة الأمل»، قصة طويلة، مطابع الشركة الصناعية، عمّان، 1960. «قبس المجد»، شعر، المطبعة الفنية التجارية، عمّان، 1972. «ضمائر بلا خريف»، شعر، المطبعة الفنية التجارية، عمّان، 1979. ط2، (د.ن)، عمّان، 2009. «مولد أمة»، شعر، المطبعة الفنية التجارية، عمّان، 1980. «رهان مكّة»، شعر، المطبعة الفنية التجارية، عمّان، 1983. «إنسانية مَلك»، شعر، المطبعة الفنية التجارية، عمّان، 1986 وأعيد طبعها ستّ مرات. «عند المنحنى»، قصص، دار النهضة للنشر، عمّان، 1992. «الألفية الخزاعية»، شعر، دار النهضة للنشر، عمّان، 1992. «الرايات الهاشمية»، شعر، دار طوباس للنشر، عمّان، 1994. «تاريخنا في ملحمة»، قصيدة من 3200 بيت، دار يزبك، عمّان، 1997."الأدلّة القرآنية»، بيت العلم للنابهين، بيروت، 2004. «الرباعيات الراشدية المرحوم راشد باشا الخزاعي الفريحات»، شعر، عمّان، 2010.

• تاريخنا في ملحمة

من إلياذة الشاعر محمود فريحات، نقرأ حوارات جميلة معبّرة، وكذلك في ديوان «تاريخنا في ملحمة» إذ يقول:

«مــا طــار طــيرٌ واعتلــى إلاّ

وقادِمَــة الجنـــاحِ علــى الــــتراب تُـــــترّبُ

وكــذا العواصــــفُ لا تظــــلُّ عواصـــفاً

والـموج لا يبقــى يُخيــف ويرهــبُ

كــم مــن قلــوب أصــحرت وتحجــرّت

وبــدين خــــيرِ المرســـلين تطبّــــبُ

أبتــــــاهُ مـــا الإســــــلام إلا رحمــــــةٌ

للعـــالمين وواحــــةُ لا تُجْــــدبُ

ومناقـــبُ الإســـلام كانــت رايـــة

في الشرق.. والشرقُ القصيُّ يُرَحّبُ

• قصيدةً من 3200 بيت

ويتضمّن ديوان «تاريخنا في ملحمة» قصيدةً من 3200 بيت بحرف روي واحد وبحر واحد. وفي تقديمه للكتاب يقول د.حسن توقة «عرفتُ الشاعر محمود عبده فريحات عضواً في اتحاد الكتاب والأدباء الأردنيين، وعرفته أكثر عندما كان يقف، ويعقّب على هذه المحاضرة أو تلك، أو يلقي شعراً في أمسية أخرى، وعرفته أكثر عندما كانت تطرح مسألة لغوية قبل بدء المحاضرات أو الأمسيات الشعرية في الاتحاد.. ولم أكن أتوقع أن أجد (تأريخ العرب والمسلمين محتوى في ملحمة) حتى اطلعت على ملحمة شاعرنا محمود عبده فريحات, فهي واحة أدبية وملحمة تاريخية».

وفي تقدمته للكتاب يقول المؤلف: «لو أنَّ التاريخ يُدوَّن بالشعر معلقات حتى لا يزوِّروا التاريخ، لاطمأنت الأجيال إلى ماضيها، وإنه ليشرفني أن أتحدَّث إليكم بأخلاقيات الإعلام، والإعلام كما أعرفه وتعرفونه أخلاقيات.. وإن (الكلمة قراءة، كتابة، قول أمانة، عهد، ذمة، دين، صدق، خلق...)، وانطلاقاً من ذلك، فإن كتابة التاريخ كالأمانة التي عرضها الله على الجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان، ذلك الجهول الظالم، وليس في كتابة التاريخ ميل وهوى وإن نقله إلى الأجيال، كما كان، واجب وفرض. والكاتب كالرائد، والرائد لا يكذب أهله».

• بين يعرب وأبيه

وفي إلياذة الشاعرفريحات يطول الحوار بين (يعرب) وأبيه متأملاً حال الأمّة، في مقطوعات عذبة فيها دروس، من مثل:

(أبتاه.. ما قال العدى عن أمّتي يُدمي- وما ترويه أنتَ يُشيّبُ- أنا لم أقلهُ.. وما افتريتُ وإنّما- أفعالكم هي من روت وتسببُ). ونقرأ كذلك: (لِم يا أبي؟! أتجيبني لتريحني- اكذبْ؛ وكم كذبٍ يريح ويرأبُ!).

الرأي خير الصحائف

وسبق الشاعر محمود عبده فريحات في قصيدة له يمتدح صحيفة $ الغراء ومشوارها الطويل في خدمة الشأن الثقافي والإبداعي والفكريّ بشكلٍ خاص، عدا اضطلاع الصحيفة عبر تاريخها الطويل بالهموم والقضايا المحليّة والعالميّة، مهدياً الرأي التي وصفها بأنّها نبض قلبه، ومقل الناس، والواحة الغنّاء.

فقصيدته (الرأي زرعٌ بلا خريف) التي عبّر خلالها عن أحاسيسه الدافئة لـالرأي والتي(إن غابت عن عينه ربع ثانية أحسّ بأنّ خللاً ما في الكون)، وما ذاك إلا لمكانتها الأثيرة لديه، التي اعتاد أن يقرأها ويسافر في سطورها، واصفاً حبرها نوراً مذاباً، فهي «خير الصحائف»، وهي الصحيفة الصادقة التي لا تكذب قراءها، ممتدحاً أسرة تحريرها والعاملين فيها بأنّهم أسرةٌ واحدة يقدّمون جهودهم الصادقة في $ الغراء لتكتحل العيون بكلّ سطرٍ من سطورها كلّ صباح.

يقول الشاعر محمود عبده فريحات: «لقد كبرت الرأي في عيني فأكبرتني.. فأقسمت أن لا أشرب شهداً إلا وهي بين يدي.. وليرحم الله الرواد الأوائل البررة:

«صحيفةُ الرأي نبض القلب والمقلُ

وإنها الواحة العذراءُ.. والأملُ

والعين بين سطور $ نُزْهتها

ونُزْهةُ العَينِ تَرْوِي وهيَ تَحْتَفلُ

عينٌ تسافرُ فيها.. وهي عاشقةٌ

وَبَيْنَ أسطرها يحلو لها الغزلُ

وهل تعود عيون الحب من سفرٍ

وكيف عن عينها عينيْ ستْرتحلُ؟!

وأثملتني نصوصٌ دونما سُكرٍ

وما ثَمِلْتُ.. وأدري أنني ثملُ

وقمتُ أنهلُ من سطرٍ.. ومن جُمَلٍ

وبين سطرٍ.. وسطرٍ بتُّ أنتقلُ

وجُملةٍ فوق صدر $ مكتبةٌ

وكمْ وكم مَعْهَدٍ تُحيي لنا الجملُ

كأنما حبرها نورٌ أُذيب.. ومن

هذا المداد حروف الرأي تكتحلُ

وإن نأتْ عن عيوني رُبع ثانيةٍ

أقولُ في الأرض أو في قطبها خللُ

سلمتِ يا رأيُ.. يا خير الصحائف

في دنيا.. تلاعب في أقلامها الجُهُل

واللهِ.. ما كذبت في ما روت لُسُنٌ

وأصدق القول ما باحت به المُقَلُ

واللهِ.. ما مقلتْ عيني لها مثلاً

وتعلم العين ما أروي.. وما مقلوا

كأنما دولة الأقلام قد ذهبتْ

وإنّ بـ الرأي تحيا هذه الدولُ

• الأخطاء اللغوية والمُنجد

وفي كتابه «الأخطاء اللغوية الكبرى» صحح الشاعر محمود عبده فريحات لـموسوعة «المنجد» في حوارات وأمثلة بيّن فيها الخطأ وصاغه بأسلوبه الشعريّ, الذي اعتاده الكتاب والمثقفون والشعراء في الاتحادات والهيئات والروابط الثقافية.

وكتب فريحات على غلاف كتابه، الذي صوّر فيه اللغة العربية فتاةً مقيّدةً على جذع شجرة حولها نار، يصف الأخطاء:

"وأخطاء الكبير تظلّ كبرى

وتصغر حين يخطئها الكبارُ"

ووصف الشاعر فريحات جهد المعلوف مؤلف المنجد بالجهد الواضح والمهم، بقوله:

"الله يحفظ أمّةً قد أنجبت

للأمتين لويسها المعلوفا

وأرى المحيط الأطلسيّ مدادهُ

وأرى النجوم لشاطئيه سقوفا

أنا لستُ أومنُ أن تُدنّس محتوىً

أخطاؤهُ لو صرنَ فيه ألوفا».

ويمتدح الشاعر فريحات لويس المعلوف بقطع أدبيّة نثرية ممزوجة بالشعر، كقوله » كان الليل يحقد على مصباحه.. فكلّ المصابيح مطفأةٌ إلا هو»، مبيّناً أنّ من مآثر المعلوف أنّه دعا أرباب اللغة وأقطابها وأعمدتها أن يبيّنوا له الأخطاء اللغويّة في منجده.