نجح الأردنيون والهاشميون قبل مئة عام في التأسيس، لاستراتيجية ادارة الندرة وسياسة عبور المخاطر والتحديات بأقل الخسائر في بناء الدولة كانت طابعاً غالباً، التحديات مرتفعة الكلفة انعكست قوة وتصميماً على متابعة البناء والاستمرار والديمومة ومراكمة الإنجاز، الأردنيون قبل مئة عام كانوا أيضاً في مواجهة هجمة استعمارية شرسة ضمن أطار اجتماعي قبلي استشعر الخطر وسعى إلى الحد من تداعياته التقى وعيهم السياسي مع مشروع الامة بقيادة الشريف حسين في بناء دولة المشرق العربي التي لو كتب لها الاستمرار لكانت بحجم اوروبا اليوم، الطموح العربي المشروع تعرض الى هجمة اكثر شراسة بعد ان مثل الشريف حسين طموحات المثقفين والمتنورين العرب في حينه.

تحول الأردن في تلك الفترة الى بؤرة عمل عربي مشترك حقيقي في مواجهة متعددة المحاور على الأرض العربية التي كان مقرراً أن تكون الدولة العربية فيها من «عدن جنوباً حتى طوروس شمالاً» تحت قيادة هاشمية بمباركة عربية–وضحتها الرسائل التي وصلت–للشريف حسين، لكنها تعرضت إلى تحديات داخلية وهجمات خارجية جعلت من المملكة العربية تقتصر على حكم هاشمي في العراق وسوريا الطبيعية وهي التي جرى الإجهاز عليها أيضاً، نحن نقرأ هنا تاريخنا بعين الاتزان السياسي والتاريخي لتعرف الاجيال المعاصرة معنى مئوية الدولة وطبيعة التضحيات، الدولة التي كانت بحجم الطموح العربي، بقيادة عربية هاشمية انقض الفرنسيون على سوريا وانتهى الحكم الفيصلي هناك وادى الانقلاب في العراق نفس المهمة وكشف الانتداب عن قسوة ما كان معدا لفلسطين وانخرط الاردنيون في مواجهة المشروع الصهيوني فيها بعد ان كانت الدولة العثمانية قد لفظت انفاسها الاخيرة في الاناضول قبل وقت طويل من الثورة العربية الكبرى، ليعود الاردن من جديد موئلا لاحرار العرب من هذه الايام.

شروع الاردنيين ومن معهم من العرب في بناء دولة معاصرة من عهد الامير «الملك» عبدالله الاول عبر قانون اساسي واستحداث بنى الدولة الامنية والعسكرية والاقتصادية ثم الملك طلال ودوره التشريعي في ارساء اكثر الدساتير في المنطقة عصرية ومرونة، وفي اطول فترة حكم في عهد الملك الحسين تعززت مختلف نواحي الحياة في ظل اعتى تيارات المد والجزر القومي والعالمي والصراع على المنطقة وتجاذبات المحاور المتداخلة التي كلفت الاردن كثيرا من التضحيات، وصولا الى جلالة الملك عبدالله الثاني حفظه الله الملك المثقف والقارئ جيداً لخارطة التحديات الوجودية التاريخية والقائمة التي لا يمكن اختصارها في مقال في تاريخنا الوطني، لكنها سيرة مئة عام من التحدي والصمود والبناء والحرب والشهداء تجعلنا كأردنيين أكثر إيماناً وفخراً بقيادتنا ومؤسساتنا بعد ما وصلت اليه الأمور في محيطنا العربي من دمار شامل.

جلالة الملك عبدالله الثاني اليوم ليس فقط قائدا اردنيا عربيا يحظى باحترام عالمي بل هو وريث نهج حكم لا يستند فقط الى ألفي عام من المشروعية الدينية والسياسية بل هو يمثل في نفس الوقت مسؤولية الانجاز والحكم الطاهر المعبأ بقيم القضية العربية والاسلامية وعلى راسها حماية الاردن واستمراريته والقضية الفلسطينية وتداعياتها وما اضيف اليها من مأس في الاقليم شكلت العبء الاكبر على الاردن عبر موجات تاريخية من اللجوء لم تكن دول كبرى لتتحملها.

نحن مطلعون وشهود مرحلة وخبرتنا لعقود في العمل العام تجعلنا قادرين على تلمس حجم الإنجاز بالمعاينة في كافة المجالات، نلمس تطورات تشريعية وقانونية تكاد تكون الاكثر عصرية على مستوى الاقليم والعالم في بناء مؤسسات قضائية واخرى تشريعية رائدة بحكم خبرتي كأمين عام للمحكمة الدستورية سابقا وتحملي لمسؤولية الامانة العامة لديوان التشريع والرأي حاليا وهي مؤسسات دولة تشكل عصباً مهما في النوعية والاحتراف تعدت كونها مجرد حاجة ملحة لاداء وظيفي حتى بلغت مرحلة الريادة والتطور بعد مئة عام من عمر الدولة من عهد وثيقة الملك الشهيد المؤسس التي عين بموجبها الشيخ محمد الامين الشنقيطي رئيساً لهيئة العلماء والتي تحمل فلسفة تأسيس الدولة نفسها وما اكدته على رجال الدولة من وزراء وقضاة وسائر صفوف المأمورين عسكريين ومدنيين في اهمية حق تمثل الواجبات المترتبة عليهم واتصالها بالوقت الحاضر.

أما في آليات التفاعل السياسي مع المستجدات الإقليمية والدولية انتهج الأردن سياسة خارجية واقعية متزنة بعيداً عن الانفعالات رسخها الحكم الهاشمي عبر مفهوم العلاقات الدولية المرتكزة إلى الاتزان في الدبلوماسية الأردنية من لحظة بناء الدولة في فترة عصيبة أجهضت فيها كل مساع السلم العالمي في الفترة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، والتي فرضت على البلاد العربية صعوبات قوضت أمنها واستمرت حتى ما بعد انتهاء الحرب الباردة واثناءها، وإن كان الشريف حسين في وقت مبكر قد اندفع وابناؤه إلى اعتماد كافة الوسائل الممكنه للوصول وضمن قدراتهم إلى مصالح أمتهم حتى كان تأسيس الإمارة وضرورة الاعتراف الدولي بها محكاً سياسياً دبلوماسياً صعباً في ظل عقلية أممية فرضتها أحداث الحربين العالميتين وصولاً لمرحلة إعلان الإمارة ثم المملكة والدولة بشكلها المستقر في جوهر سياسي مؤسسي رافقه بناء جسور التواصل الدولي مع العالم، وما رافقه من جهد في بناء مؤسسات الخارجية الأردنية وإعداد وتأهيل دبلوماسييها ومنها المعهد الدبلوماسي الأردني، حيث تشرفت برئاسته مدة سنتين وكان لي ولزملائي في العمل شرف تحمل مسؤولياتنا في تعزيز دوره الوطني والعربي في تأهيل القوى البشرية في المجالات الدبلوماسية والعلاقات الدولية، وهو ما منحني وعياً مهماً بحجم التطور والتحديث على قدراته وأهدافه واستخدامه لتقنيات معاصرة في الإعلام والعمل الدبلوماسي الهادف إلى دعم السياسة الخارجية الأردنية والعربية بتوجيهات ملكية سامية أمنت كافة الإمكانيات لخدمة المصلحة الوطنية الأردنية.

من هنا تجلت دولة المؤسسات والقانون، في تخصصية نوعية تكاملية في القضاء والمحاكم والتشريع والرأي والعمل الدبلوماسي ومثلها في الأجهزة الأمنية والقوات المسلحة والجيش العربي، ومنها أيضاً النواحي الاقتصادية وهي التي ساهمت مجتمعة في تقوية البناء السياسي و الاجتماعي للأردن.

الرسالة الملكية إلى مدير المخابرات العامة أيضاً في سياق الرؤية الملكية القيادية الشاملة هي خطوة أولى في عبور المئوية الثانية على أسس التخصصية والوظيفية مع الاحترام للدور الوطني للدائرة التي تحظى باحترام جلالة الملك والشعب الأردني لتضحياتها الكبيرة عبر مسيرة الوطن وهو ما حازت من خلاله مركزاً متقدماً عالمياً، وهي المؤسسة الوطنية الأردنية التي تحملت اعباء جسيمة في ظل تحديات كبرى فرضت عليها دوراً شاملاً في مراحل مفصلية، ولأن ثقة القيادة والشعب في دائرة المخابرات العامة راسخة وهي تؤدي مهامها بتطور ونوعية وإنجاز، فهي الأقدر أيضاً على تمثل الرؤية الملكية بوعي وإتقان، والرسالة وإن حملت مشاعر الأردنيين جميعاً من خلال ما عبر عنه جلالة الملك إلا أنها أيضاً ووفق قراءة واقعية اعادة تأكيد ضرورة بلوغ كافة مؤسساتنا مستويات عليا من الكفاءة في الاداء والنوعية والاحتراف أسوة بـ «الدائرة» التي حمل فرسانها وفارساتها العبء الأكبر في تاريخ الأردن المعاصر.