نعم كيف للبشرية بعد كل التقدم الذي أحرزته عبر العصور أن تقبل بان تسودها أنظمة تجيز القهر والفقر والتفاوت الطبقي الصارخ واستغلال الانسان لأخيه الانسان؟ وان تسمح لا بل تسهّل لدولٍ أن تشن حروباً تقتل فيها بلا رحمة مواطني دولة اخرى، وان تتسامح مع بعض مفكريها وهم يسوّغون كل هذا القتل بانه قدَر لا فكاك منه وانه جزء من طبيعة الانسان التي لا يمكن تغييرها، مع انه أصبح واضحًا ان الحروب تحديداً هي نتاج نظام اقتصادي يزدهر بزيادة ارباح صناعة الاسلحة، ورغم ذلك يزعمون بأنه نهاية الانظمة والنموذج الأفضل لآخر مراحل تطور حياة الناس على هذا الكوكب!؟

وكيف للبشرية أيضا أن تظل صامتة على بقاء ثقافة قديمة تشيع بأن من الحقائق الأبدية تصنيف البشر إلى نخبة محدودة من السادة المميزين المحظوظين بالوراثة (أو بالكسب اللا أخلاقي في أغلب الأحيان!) وأكثرية من الرعاع الكادحين العاملين في خدمتهم، وقد يُلطَّف التعبير بما يناسب عصرنا فيقال قلة من الأغنياء الأقوياء ذوي النفوذ مقابل كثرة كاثرة من الفقراء الضعفاء المهمشين، ثم تفتي هذه الثقافة للدول الكبرى (استعمار) دول اخرى ونهب ثرواتها جهارًا نهاراً تحت ستار (الاستثمار)!؟

وكيف للبشرية أن تصغي لمفكرين معاصرين لا يخجلون من الترويج لكل تلك البشاعات وكأنها نمط الحياة الطبيعية النهائي الذي لن يتبدل فليس بالإمكان أبدع مما كان كما قال فوكوياما (قبل أن يتراجع) في تسعينيات القرن الماضي وكما فعل قبله في السبعينات ميلتون فريدمان استاذ مدرسة شيكاغو وكان من مريديه هنري كيسنجر عراب الانقلابات العسكرية الدامية في دول العالم الثالث، ولا يخفي مثل هؤلاء المفكرين فرحهم وتشفّيهم بانهيار التجربة الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي ربما لأنها أتت مبكرة قبل نضوج الظروف الموضوعية العامة في العالم حيث قامت في دولة واحدة محاطة بدول غنية قوية شرسة لا تتساهل قط في مغالبة ما تراه تهديدا لنظام اقتصاد السوق حتى أنها حاربت في نفس الوقت وبلا هوادة التجربة الكينزية (الرأسمالية) في اوروبا التي سعت للتهوين من غلواء هذا النظام المنفلت بالتأمين الصحي والضمان الاجتماعي على الأقل! وها هي نفس تلك الدول وبنفس النوايا السيئة ماضية في محاصرة الدولة الصغيرة الفقيرة كوبا لخنقها مع تجربتها الاشتراكية الخاصة وهي التي وبكرم انساني رفيع لم يدركوه يوماً تنوي حتى في ظروفها الصعبة أن تقاسم لقاحها ضد الكوڤيد مع غيرها ممن يحتاجه!

وبعد.. يقول مفكرون آخرون بأنهم ما زالوا واثقين من أن المسيرة الإنسانية التي بدأت قبل اثني عشر قرناً بمجتمعات المشاركة البدائية في خيرات الأرض وانتقلت بعد استقرارها بالملكية الزراعية إلى العبودية ثم الاقطاع وبالثورة الصناعية الى الرأسمالية، قد (نضجت) وغدت قادرة على الانتقال في تحرك عالمي مشترك شامل، غير بعيد الاجل كما يعتقدون، نحو مرحلة المجتمعات الجديدة التي تعلي شأن العدالة والقيم الفاضلة النبيلة وتحترم كرامة الإنسان، ولن يكون غريبًا أن تكون شعوب الولايات المتحدة.. في مقدمتها..!.