هناك عبارة مشهورة للفيلسوف البريطاني (توماس هوبس) «أنا والخوف توأمان», وذلك بعد أن ولدته أمه قبل ميعاد ولادته من شدة الخوف, إبان غزو الأرمادا الإسبانية لبريطانيا عام 1588، فإن كان هوبس تخطى عقدة الخوف ليصبح واحدا من أهم الفلاسفة والمفكرين السياسيين, الذين تحدثوا عن نظرية العقد الاجتماعي, فإن كان هوبس قد تخطى هاجس الخوف فما زال الخوف يسكن في قلوب كثير من أصحاب القرار لدينا..!.

وحتى نكون أكثر إنصافاً, هناك فرق ما بين الخوف والحرص الذي يهدف لعدم اتخاذ القرار الخاطئ, وتحقيق العدالة. ففي هذه الحالة فإن الحرص مقبول, شريطة عدم المبالغة. فالقرار الصحيح يستند للمعرفة والخبرة, أما الخوف غير المبرر, فهو دليل على أن مُصدر القرار, وإن كان حسن النية إلا أنه إنسان مهزوز, يفتقد للثقة بالنفس, ضعيف لا يملك المعرفة, يخاف من اتخاذ القرار والوقوع في الخطأ.

وهناك أسباب نفسية كثيرة لا يتسع المجال للحديث عنها بالتفصيل مثل: الخوف من فقدان الموقع أو المحاسبة, وهناك من يعتقد أن التعطيل دليل لإثبات الوجود, (خالف تعرف) بأنه رقم صعب في معادلة اتخاذ القرار.

لقد تحدث جلالة الملك في أكثر من مناسبة, عن موضوع الخوف من اتخاذ القرار (الأيادي المرتجفة) في الدوائر الرسمية التي تعطل مصالح المواطنين, قال لي أحد الأشخاص ذات يوم أنه ولإنجاز معاملتي بالسرعة الممكنة, إنني افضل التعامل مع مسؤول (فاسد) أفضل بكثير من التعامل مع مسؤول جبان يعطل معاملتي خوفا من اتخاذ قرار صحيح, وهذا بلا شك مفتاح لباب الفساد والرشوة والواسطة.

إن أصحاب الأيدي المرتجفة, لا يقلون خطراً عن الفاسدين, فكلاهما يتسببان في أضرار مالية وإساءة لسمعة الدولة, بل إن متخذ القرار الجبان في كثير من الأحيان, أشد خطرا وإيذاءً, ويسبب خسائر مالية تفوق عشرات المرات ما يسببه الفاسدون, لا سيما كما يقال بالعامية (تطفيش) المستثمرين, او تعطيل العطاءات, أو تفويت المنفعة بسبب التأخير, وهناك عشرات الأمثلة في هذا الخصوص لا يتسع المجال للحديث عنها.

نعلم جميعاً, وبسبب كثرة الحديث عن الفساد وتشدد الجهات الرقابية, جعل الكثير من العاملين في القطاع العام, أكثر خوفا في اتخاذ القرار, وجعل الكثير من الموظفين وكما يقال(يعد للعشرة) قبل اتخاذ القرار, لأن مجرد استدعائه لجهة رقابية أصبح في نظر زملائه والناس تهمة. ولكن ذلك لا يمنع صاحب القرار من ضرورة الموازنة بين سرعة اتخاذ القرار, وعدم الخوف من ارتكاب المخالفة, فالمعادلة واضحة: ثقة بالنفس, القدرة, المعرفة, تطبيق القانون. أما معادلة الأيادي المرتجفة فهي: خوف, ضعف, عدم ثقة بالنفس, ضعف في المعرفة, وفي كثير من الأحيان جهل بالقانون, عدم أحقيته بالموقع وكثير من الاسباب، لسان حاله يقول «مئة عين تدمع ولا عيني تدمع»:. وفي النهاية لا أبالغ بالقول إن بعض الأشخاص من هذه الفئة, يمكن أن نصنفهم أيضاً (طابور الخامس).