أسابيع قليلة تفصلنا عن الاحتفال بمئة سنة على تأسيس الأردن الحبيب. ومنذ نشأته كان وطننا مدركاً تماماً بأن له هوية واضحة المعالم، وأن عليه رسالة يؤديها من أجل الأجيال المقبلة.

الهوية هي أنّ الأردن في مركزه الجغرافي مهمّ، وكذلك في موقعه الديني مهم جداً، ذلك أن الرسالات التوحيدية قد طالنا منها الكثير الكثير؛ فهنا مرَّ موسى النبي ووقف على جبل نيبو. ومن هنا ولد إيليا النبي - مار الياس - في تشبة جلعاد، وصعد من وادي الخرّار بمركبته النارية نحو السماء. وهنا كان يوحنا المعمدان ينادي بالتوبة، عِبر الأردن، وعمّد السيد المسيح في مياه نهر يحمل اسم بلادنا الحبيبة. وهنا ألقى السيد المسيح تعاليمه، وجال في مدننا وقرانا مع أمه البتول مريم سيّدة الجبل، وأجرى كثيرًا من معجزاته، فشفى المرضى وطرد الشياطين. وإلى هنا قدمت أفواج وأفواج من الحجاج والزائرين العابدين، وتشهد على ذلك كنائس تزيّنت بالفسيفساء ونحتت: «هذا الشعب محبٌ للمسيح». وهنالك الآثار الشاهدة على تاريخ الصحابة الذين عاشوا ومروا هنا.

واليوم، يدرك الشعب الأردني بأن تجاور الحجر في الآثار المسيحية والإسلامية عليه أن يعمق تجاور البشر وتلاحمهم، وبالأخص أن لدينا قيادة هاشمية حكيمة قد بادرت إلى تصدير الرسالة الأردنية عبر مبادرات راقية وايجابية، تحولت إلى مشاريع عمل وخرائط طريق عالمية على درب مزيد من التضامن الإنسانيّ العالمي.

فعلى تراب أرض الأردن المقدسة بدأت الحوارات والمؤتمرات في ثمانينات القرن الماضي، وصدرت العديد من المبادرات وأهمها رسالة عمان 2004 وكلمة سواء 2007 وأسبوع الوئام بين الأديان 2010، ومؤتمر التحديات التي تواجه العرب المسيحيين 2013. وكان وجهة لزيارات بابوية عدّة: البابا بولس السادس 1964 الذي استقبله الملك الحسين بن طلال رحمه الله صاحب مقولة: «إنّ علينا تأمين مستقبل مزهر لجميع ابناء ابراهيم»، والبابا يوحنا بولس الثاني 2000، والبابا بندكتس السادس عشر 2009 والبابا فرنسيس 2014. وثلاثتهم في عهد الملك المعزز عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم الذي نال جوائز عالمية مشرّفة، في مجال الاخوة الانسانية والحوار والسلام، وأهمها الجائزة الاولى للسلام لمركز يوحنا بولس الثاني في واشنطن 2005، وجائزة تمبلتون للحوار 2018 وجائزة أسيزي للسلام 2019. ولعلّ الفخر الاكبر لنا كأسرة أردنية هي الدور الذي لعبه جلالة الملك بصفته وصياً شرعياً على المقدّسات في القدس الشريف. نطلّ على بعد مرمى حجر من مئوية تأسيس الأردن، ونحن موقنون بأن هذه الهوية وهذه الرسالة قد أصبحتا رئيسيتين على خريطة الوفاق العالميّ، وبالأخص بعد تبني الأمم المتحدة لأسبوع الوئام بين الأديان عام 2010. ونحن قد صدّر بلدنا هذا الأسبوع، ولكننا ندرك أن الوئام هو مشروع حياة، وهو أسبوع أسبوعي، وهو برنامج يومي، يسطّره الأردنيون بتلاحمهم وأخوّتهم كما قال جلالة الملك في عدّة مناسبات مع رؤساء الكنائس: «الأردنيون يشكلون أسرة واحدة في تلاحمهم وفي أنتمائهم، وهم يعملون معاً، يداً بيد، من أجل مصلحة الوطن الواحد».

وبعد، فالأردنيون يتعبدون لله في بيوت عبادتهم، ولكنهم يحيون بانسجام كامل في مجتمعهم، ولا يؤرقهم إلا ما يمس بوحدتهم الوطنية، وهي عندهم أغنى من كنوز الدنيا. لذلك هم متمسّكون بهويّتهم المقدسة وبرسالتهم الإنسانية العالمية. وفي قادم الأيام، إن شاء الله، سنتحدث عن كيفية التخطيط المشترك، للبناء في مئوية وطننا الجديدة، على ما أنجزناه من مبادرات في المئوية الجديدة، وأي شكل من الوئام نرغب بتطويره في القرن الجديد؟

Abouna.org@gmail.com