أمل الكردي

لم تكن اللغة المنطوقة هي لغة التواصل الوحيدة بل إن لغه الجسد سابقة عليها. فنراها جلياً في علاقة الأم بطفلها المولود حديثاً، و نراها مرة أخرى في لغة العين التي ترسل مشاعر ربما يصعب النطق بها، ونراها أيضا في الأحضان التي نتلقاها من الأحباب والأهل. فكم من حزن قد انطفأ داخل حضن من ابن أو أم أو صديق، دون أي حرف منطوق، وكم من تربيتة على كتفٍ برقة وحب أعطت المتلقي مشاعر بالدعم، و أزاحت عنه الكثير من الأثقال والهموم.

فنحن دائماً ما نهتم بإتقان لغات كثيرة ونوجه أنفسنا وأبناءنا لاكتسابها، وهذا أمر رائع و يستحق العناء، ولكن هناك لغات سابقة على اللغات المنطوقة والمحكية لها أثر عظيم وكبير في حياتنا لابد أن نتعلمها ونعلمها لأبنائنا وأن نكسبها لهم عن طريق تطبيقها والعمل بها حتى ينشأ جيل عظيم اكتسب لغات معنوية تجعل منه شخصية محبة ومتسامحة تنشر كل ماهو جميل في كل مكان تذهب إليه.

وأول لغة لابد أن نتعلمها ونعلمها للأجيال القادمة هي لغة التقبل والحب، ويبدأ هذا الحب من اللحظة التي نتقبل بها الظروف والتغيرات والأحداث التي تؤثر بالشخص لأن الرفض هنا سوف ينعكس على جميع جوانب الشخصية وبالتالي نجد أن تقبل الأحداث والتكيف معها يفضي إلى تقبل الأشخاص باختلاف أشكالهم ودينهم وعرقهم وكل ما هو معاكس لنمط التفكير الذي نشأنا عليه من ثم يأتي التحلي بالحب، مثل حب المحيط وعدم تجزئته وتقبله كما هو ولو حدث وأردنا أن نحدث تغيير ما في ذلك الشخص المختلف لابد ان يكون بدافع الحب والتقبل ويحمل هدفاً واحداً وهو «أنا أريد لمن حولي الأفضل لذلك أنا شخص مؤثر ومحب».

صور عديدة لهذه اللغة:

-جار وصديق مختلف عنا في العرق أو الدين أو حتى الفكر تقبلناه بحب طالما لا اذى حاصل يمسنا منه.

-شخص أخطأ بحقنا فتقبلنا الخطأ وناقشناه بحب واحترام وذكّرنا أنفسنا ان النفس البشرية خطّاءة.

-اختلاف بالرأي مع شخص عبر وسائل التواصل الاجتماعي لابد من مواجهة الامر بطريقة بعيدة عن خطاب الكراهية أو العنصرية والتحيز.

اللغة الثانية لغة الابتسامة:

وهي كما وصفت من قبل الكثيرين بأنها جواز سفر دبلوماسي تدخل صاحبها إلى جميع القلوب دونما استئذان، ومن المعروف أن لغة البشاشة واللطافة الكامنة في تلك الابتسامة تبعث رسائل ودية للمتلقي وتجعله أكثر راحة وانفتاحا وينعكس ذلك ايجابياً على صاحب الابتسامة بحيث يصبح شخصاً محبوباً ومرغوباً به من قبل الآخرين.

أما صور هذه اللغة:

-مواجهة خوف شخص وقلقه من قبل رئيسه في العمل أو استاذه في الجامعة بابتسامة لطيفة تشعره بالاطمئنان وأن الامور سوف تكون على خير.

-محو أي خلاف بابتسامة وهي كفيلة بعدم تصعيد الأمر أو استمراره، وجعلها أمر أساسي في حياة ذلك الشخص لا تفارق محياه ابدا، فهي تحمل مفعولاً سحرياً كفيلة بكسر الكثير من الحواجز.

اللغة الثالثه، لغة التسامح:

ويظهر التسامح واضحاً وجلياً في مجال الدين والثقافة على وجه الخصوص فإن تفشي هذه اللغة سوف يقلل من الصراعات والحروب بين الشعوب وحتى على صعيد الأفراد، فالتسامح خلق يميز صاحبه بأنه ذو رحمة وعطف كبيرين.

وصور هذه اللغة تتجلى في:

-اعطاء الفرص والتغاضي عن الأخطاء و قبول الاعتذار وفتح باب الصفح على مصراعيه سواء على صعيد الأفراد أو حتى المؤسسات.

-القضاء على بعض العادات العشائرية التي تضر بمجموعة من الافراد الذين لا ذنب لهم بما فعله احد افراد قبيلتهم، فالتسامح هنا به من الرحمة والعطف ما يجعل الشخص المختطئ أو الجاني هو من يجب أن يعاقب ولا ذنب للاخرين بما اقترف من ذنب.

اللغه الرابعة، لغة اللطف والادب:

وهي مفهومة جداً لدرجة ليس من الممكن ان يساء فهمها حتى من قبل الاطفال «فما كان اللين في شيء وزانه» وكم من شخص كان ينوي الشر وحين قابله الطرف الاخر باللطف اختلف تفكيره ولهجته وتعامل بطريقه أفضل.

ومن صور هذه اللغة:-

-تعبير الشخص عن فكره و رأيه دون شدة أو تحيز خاصة عند اختلافه مع الأشخاص، وابتعاده عن القسوة أو استخدام الألفاظ المؤذية.

-احترام الكبير والعطف على الصغير والاتساع بهما.

اللغه الخامسة وهي لغة المعاملة الحسنة:

وهي معاملة المحيط ليس كما تحب أن يعاملونك فقط بل كما يحثك دينك واخلاقك التي نشأت عليها وعدم السماح لمشاعرك و هواك أن يؤثر بهذه المعاملة و مراجعة العقل والمنطق و ما تنص عليه الأخلاق الحسنة في التعامل.

ومن صور هذه اللغة:

-تقديم النصح دون ادخال الحكم الشخصي، و يكون الدافع هو الخوف على هذا الشخص أو حب الخير له.

-عدم مقابلة الشخص المسيء بتوجيه الاساءة إليه بل لابد من نقاشه في الخطأ ومحاولة التوصل إلى حل معه.

اللغة السادسة وهي لغة المبادرة والمساعدة:

وهي الصورة الحية التي تعكس للجميع معدنك ورقي مجتمعك وأسرتك التي انشأتك بحيث تكون شخصاً مبادراً بالخير دائما ومقدماً للمساعدة عند الاستطاعة ولا يمنعك أو يثنيك شيء عن تطبيق هذه اللغة.

ومن صورها:

-تقديم يد العون مادياً أو معنوياً لمن يحتاجها.

-جعل أطفالك يشاركون في هذه اللغة سواء كان بإخبارهم بما فعلت ليقتدوا بك أو إن كان هناك امكانية باشراكهم في هذا الامر.

-السعي في إصلاح ذات البين وحل الخلافات بين الناس وتقديم الاقتراحات والحلول لطالبيها في هذا المجال.

اللغة السابعة لغة التأني والتحلي بالصبر:

وتتجلى هذه اللغة في الكثير من الأمور سواء في العلاقات أو المعاملات أو حتى مع علاقة الشخص بنفسه وقدرته على التحمل والمحاولة، ولابد للشخص أن يتأنى قبل إطلاقه للأحكام على الآخرين ويصبر على ما يواجهه منهم باختلاف الطباع أو العادات أو الراي، وفي هذا التأني سبيل واضح يقوم بإيصال الشخص الى نتيجة مرضية.

وتظهرصور هذه اللغة:

-بعدم اطلاق الأحكام على الآخرين بناء على تصرفاتهم، فلا بد من التأني والتروي واتباع منهج نستطيع من خلاله فهم ما يحصل وهذا المنهج يحتاج أيضا صبراً وسعة صدر.

-تظهر هذه اللغة في أسلوب تعاملنا مع أطفالنا أو مع الأشخاص الذين نسعى الى اكسابهم مهارات وسلوكيات كثيرة.

-على الصعيد الشخصي تظهر هذه اللغة عند السعي إلى تحقيق الأحلام والطموحات في جميع مناحي الحياة.

إن الاهتمام بصنع الذات والسعي المستمر إلى تهذيبها هو متطلب لتحقيق نوعية حياة جيدة مستقبلاً وهدفا لابد من أن نربي الأجيال القادمة على السعي لتحقيقه وفي ذلك كله ميل الى الفطرة السليمة وتوكيد عليها.

أخصائية نفسية