الدكتور عامر أحمد العورتاني

كانت اللحظة التي توقف فيها «فاوست» عن القراءة فجأة، وقد شعر بالأسى على سنوات شبابه التي قضاها بين جنبات الكتب، هي ذات اللحظة التي تمثّل له فيها الشيطان ميفستوفيليس، مقدماً العرض الأكثر خُبثاً، عندما وعده بتحقيق طموحه العلمي والمعرفي المطلق وإشباع رغباته بملذات الدنيا، مقابل أن يهبه أربعة وعشرين عاماً من سنوات شبابه، ليبدأ فاوست بعدها بعيش حياة مليئة بالإنجازات التي كان بعضها مدمراً للآخرين، وقد اعتدى على أرواح الكثيرين، وما أن حانت لحظة المقايضة، حتى بدأ يحاول إنقاذ روحه باكياً نادماً، ليدرك أن كلّ ما اكتسبه من مآثر ما هي إلّا أوهام زائفة، وقد أغواه الشيطان ليسبب الألم للآخرين على حساب إنسانيته.

وأنا أتساءل اليوم حول الدافع الذي أدى بالكاتب والفيلسوف الألماني «يوهان غوته» ليكتب رائعته «فاوست» في القرن 19، ولم تكن البشرية قد خطت سوى خطوات متواضعة على طريق العلم والصناعة وهيمنة رأس المال، لكنّ الفاوستية على ما يبدو أصبحت واقعاً متجسداً في جسم الحضارة التي أعقبت الثورة الصناعية، وهي آخذة بالتوغل في عمق الإنسانية مع تسلسل ثورات الصناعة، حتى وكأنّ شعوراً بالنرجسية الحضارية أصبح يُلازم الحضارة المعاصرة، وهو ما تناوله «شبنغلر» في كتاباته، فبرأيه أنّ النزعة العقلية استولت على المسار الثقافي والفلسفي للحضارة الغربية، ويبدو أنّ غرور العقل البشري قاده إلى انتكاسة لزجة في عالم المادة، مبتعداً عن القيم الروحية، ليصبح الكمّ لا الكيف ميزاناً للنجاح، ومع الغرق أكثر في ذلك العالم، ومع سيطرة «القيمة النقدية» على لغة التواصل بين البشر، كانت التفاهة في هذه الأثناء تتسلل عبر تفاصيل الحياة اليومية، وتمتد عبر المسافات في عصر العولمة، حتى باتت تُهيمن بشكل واضح على كثير من مفاصل الحياة، وخلف كلّ تفاهة، تفاهة أكثر تفاهة من سابقتها، حتى باتت التفاهة الكلمة الأكثر جدية في مهزلة تكاد تطال كلّ ما يمسّ حياة الإنسان.

وفي واقع الأمر أنّ الحديث يتعدى كونه صراعاً بين الأجيال، أو صداماً بين الثقافات، فالقضية باتت مؤرقة لكل من يمتلك فكراً يحتكم إلى المنطق والعقلانية، فما يشاهده المرء غالباً عبر شاشات التلفاز، أو تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي، وما يخترق السمع عبر أثير بعض البرامج الإذاعية، وما يدور من حوارات هنا وهناك بين مختلف الفئات والأعمار، كفيل بأن يُثير الآلاف من علامات التعجب، فأنت لا تنفك عن التساؤل حول جدوى التكاليف الخيالية التي تُنفق سنويا، وبإصرار لم تمنعه حتى ظروف الوباء، أو الحرب، أو الأزمات الاقتصادية، على برامج تتمحور غالبا غايتها في اختيار الصوت الأجمل، أو الممثل الأبرع، أو الموهبة الأفظع، أو الفاشينستا الأبدع، وقد يكون بعضها جدياً في البحث عن الطباخ الأمهر، أو مصمم الأزياء الأوحد، ليتحدى بعضها ظروف الكورونا في محاولة الكشف عن النجم الذي يُغنّي من خلف القناع، وما أهون القضية هنا، فإذا ما تنقلت بين تطبيقات السوشيال ميديا، وتعرفت إلى ما يُلقى على بعض صفحاتها من تفاهات وسخافات، وأكثر أصحابها يتسابقون في اعتلاء عرش الترند، وتقدم صفوف اللايكات، والكل يتحصن خلف حرية التعبير، أو الحق في المساواة في الظهور وتقديم ما بجعبته على مبدأ «ما حدا أحسن من حدا »، فيتلوّن بألوان الحداثة، ومحاكاة الثقافة العالمية التي عبرت القارات، واستوطنت جغرافيا الكوكب، دون النظر سوى في القشور، ليغدو الدخول إلى تلك الصفحات، أو التنقل بين تلك البرامج محض هلوسات، حيث يبدو الواقع بعيداً تماماً عن الحياة خلف الشاشات.

وفي حقيقة الأمر أنّ المسألة مثيرة للخوف والقلق، فتلك الحياة المزدوجة بين الوهم والواقع لا تتعلق فقط ببعض البرامج المتلفزة، أو الحراك المجنون على التطبيقات الرقمية، وإنما يتعلق بذلك الانهيار الصامت للكثير من القيم والمعايير التي تحكم السلوك الإنساني، وتكريس مظاهر الفساد، والترويج لكل ما هو مخالف للفطرة الطبيعية التي لن تنتهي إلّا في هلاك البشرية وفنائها، فالإنسان الأخير- كما لقبه «نيتشه»–أصبح مغتراً بإنجازاته العلمية، مستسلماً لشرهٍ لا متناهٍ من الجوع العقلي للسيطرة والهيمنة، إلى درجة تصوّر معها أنّه تمكن من اكتشاف إكسير الشباب و الخلود الدائم، وإلى حدّ بات الحديث فيه عن الفناء أو التراجع أو الانهيار الحضاري ضرب من الخرافات، وكأنّ كلّ ما يأتي عبر أعالي البحار صحائف سماوية منزهة عن النقص، ومقدسة حدّ الإيمان المطلق، فهُيئ كلّ ما هو خاوٍ و شاذ ومصطنع وأجوف على أنه عقلاني وأخلاقي، وهو ما يُعيدنا إلى حيث انتهى «فاوست» وقد استولى الشيطان على روحه، وهو ما أسماه «ابن خلدون» بفساد المعاني الإنسانية»، مشيراً إلى الحالة التي تدوم فيها الحضارة وتترسخ لتبلغ الغاية في الترف والدعة، لتعلق في حالة «الاستفحال»، أي تفاقم الحالة الحضارية وانتشار مظاهر الترف والفساد فيها وسعيها نحو الخلود في زمانها، في موقف يقترب من حالة «الاحتقان التاريخي» كالمتربع بطلاً على قمة مدببة إلى مالا نهاية.

ومن الواضح أن أغلب ما بات يسيطر على اهتمامات نسبة كبيرة من البشر في أصقاع الأرض، يُغرِق في السخف والتفاهة، ويُبحِر إلى حيث اللامبالاة، ويسعى نحو أفق من الخواء الفني والثقافي والقيمي، إلى حدّ لا يمكن التغاضي عنه، فأنت بالتأكيد لن تُنكر مقدار الجهل والسطحية والاضمحلال الذي أصبح يطغى على بعض ما نشاهد ونسمع ونختبر يومياً عبر بعض الإعلام والفنون ووسائل التواصل الافتراضية، والمؤلم أنّ السؤال يقودنا دائماً إلى عبارة «الجمهور عايز كدا»، ليتفاقم الأمر بأن قانون السوق هو «النمبر ون» ، فالإعلام، والفنّ، والمدونات، ومختلف التطبيقات الإلكترونية، جميعها محكومة بقانون السوق، وتخضع لمبدأ الربح والخسارة، ومع استمرار السقوط في فخّ الهيمنة الربحية، ونزوع القيم الفردية، والسيطرة العقلية التي هربت من رقابة الضمير؛ أصبحت التفاهة غالباً عنواناً للمنتج الثقافي، ومطلباً لهواة الشهرة والمال والأضواء، لنتفاجأ بنموّ مجتمع استعراضي، الحضارة فيه «فُرجة» كبيرة تحركها تجارة إعلامية ضخمة، فثقافة وسائل الإعلام الحديثة في جزء كبير منها تبدو مبتذلة، مع تراجع دور الكلمة، وتقدم الأضواء والخلفيات الجرافيكية والمؤثرات الصوتية نحو المقدمة، حتى أنّ قيمة المثقف أصبحت تُقيّم بناء على محاكاته للبهرجة الإعلامية، في سيرك صاخب مليء بالاستعراضات و المهرجين، حيث تتوالى فقرات التسلية والترفيه، بعد أن استُبعدت القيم والمضامين عن المسرح الثقافي، في احتفاء دائم بتحويل كلّ ما هو قيمي ومعنوي إلى مادي وسلعي، فما هي الفرصة الجماهيرية التي يمكن أن يتمتع بها برنامج يستضيف مفكراً أو كاتباً أو مؤرخاً أو باحثاً في علوم الأوبئة حتى، في مقابل عرض للأزياء، أو مسلسل كوري مثلاً، أو لقاء مع أحد مشاهير التحديات والسيلفي على صفحات السوشيال ميديا، أو حلقة في برنامج نجوم الواقع!!.

لقد لفتت عدوى التفاهة عالم الاجتماع الكندي «آلان دونو»، مُعتبراً أنّ التغاضي عنها يعني تسليم البشرية إلى مصير كارثي، فبرأيه أنّ الخريطة الاجتماعية أصبحت تحت سيطرة التافهين، وقد اخترقوا مختلف المجالات، في واقع يشبهه بتشكيل شركة كاملة من التافهين والجاهلين وذوي البساطة الفكرية، وكلّ ذلك لخدمة أغراض السوق بالنهاية، والواقع أنّ دونو مُحق تماماً في طرحه، إذ تكاد تشعر بوجود نظام اجتماعي أو اقتصادي أو كلها معاً، يسعى إلى ترسيخ التفاهة وتتويجها على عرش الفكر والثقافة، فما هو عدد البرامج أو المهرجانات التي تتخصص في تقييم الأداء العلمي، أو الأدبي، أو الفكري، وتكريم المبدعين من أصحابها؟، وما نسبة رجال الأعمال والشركات والمؤسسات التي تدعم تلك المهرجانات؟، وهل تحظى تلك المهرجانات بالتغطية والإضاءة اللائقة إعلامياً، إلى الحدّ الذي يستقطب الجمهور، ويسترعي انتباه الناشئة؟ الإجابة دون شكّ ستذهب لصالح الكثير من البرامج التي تُكافئ التفاهة في غالب الوقت، فالفن يشكو من سطحية أو رداءة كثير مما يُطرح سواء في مجال التمثيل أو الغناء، والإعلام في كثير من البرامج يستقطب كل ّما من شأنه رفع نسب المشاهدة وبالتالي الدعايات الترويجية، أمّا الإنتاج العلمي فهو يعاني غيبوبة عميقة، لا يستيقظ منها إلّا على صعقات الشركات التجارية ونهمها للمال والسيطرة، ليتجسد الكتّاب والشعراء والفلاسفة والمؤرخون والمفكرون كُتباً ومؤلفات تعرضها الأكشاك على الأرصفة، لمن رحم ربي من بين المارّة.

ومع تبدل المعايير، وانحدار مقاييس الجودة الثقافية، ومع تحويل الثقافة إلى سلعة قابلة للبيع والشراء، وخاضعة للربح والخسارة، فقد أصبح تحويلها إلى أداة للترفيه والتسلية ضرورة رابحة، دون اعتبار لمستويات الإبداع، وأسس النقد والتقييم، فأصبح النجاح مرتبطاً بعدد الإعجابات، ونسب المشاهدة، التي تُعبّر عن مقدار الإقبال على المحتوى المعروض، وهكذا فإنّ الأفراد ضمن هذه المعادلة يتلاهثون خلف خدع بصرية، يتخذون من شخصياتها رموزاً لهم، تلك الشخصيات التي كذبت الكذبة وصدقتها، حين اختار الواحد منهم أن يحيا بحسب تصوّر الآخرين له، لا كما هو في الواقع، ضمن صورة جرى إعدادها وتعديلها وتلفيقها ضمن متطلبات السوق، ومعايير الثقافة الوهمية السائدة، ونحن هنا نكون قد وصلنا اللحظة التي تحدث فيها «جي ديبور»؛ وقد احتلت السلع الحياة الاجتماعية كلياً، في ديمومة استعراضية لا يكاد المرء يرى فيها سوى السلع، دون اعتبار لقيم الإنسانية، أو التجلي الإبداعي، ونحن لا ننكر حقّ الأفراد في الترويح عن النفس أو التسلية، لكن أن تُصبح التسلية هدفاً لكلّ نشاطات الحياة فهو الخطر بعينه، الأمر الذي يتطلب توجيه المزيد من الدعم نحو إنتاج برامج إعلامية تُعنى بالإنتاج العلمي والأدبي والفني والثقافي الجادّ، على أن تحظى بذات البريق الذي يُحتفى من خلاله بالتفاهة، فالنشء الحالي لم يعِ سوى تلك التفاهات التي يرى ويسمع ويتابع على الشاشات المتلفزة والذكية، فكيف له أن يُدرك وجود القيم ومختلف المعاني التي غُيّب عنها، وهو في برمجة دائمة على تقبّل التافه والسخيف، والأمر في استفحال إلى درجة أصبحت معها منتهى الرحمة أن نختبر التفاهة هنا، لأنّ ثمة ما هو أكثر تفاهة هناك.

لقد أصبحت الإنسانية قريبة من الوقوع فريسة اللعنة التي عاقب بها زيوس سيزيف، بعد أن قادته عجرفته بأن ذكاءه لا حدود له، فكان لزاماً عليه أن يحمل الصخرة من أسفل الجبل إلى قمته، فما أن يقترب من القمة حتى تسقط الصخرة إلى قعر الوادي، فيعاود حملها من جديد، في عذاب أبدي متجدد، فحالة الاحتقان السائدة الآن، ستزول حتماً، لكن بعد أن تتدحرج صخرتها ببطء نحو المنحدر حيث انتهت كلّ الحضارات التي عرفها التاريخ، بعد أن غرقت في مستنقع مضمحلّ من السخافة وضياع القيم.

أخصائي علم الاجتماع

Dr.Amer.Awartani@Gmail.Com