د. ناهدة عبدالهادي

أخصائية تربية خاصة


تتعدد تعريفات التعليم المتمايز أو التعليم القائم على مبادئ الفروق الفردية والذي ينص على أنه استجابة المعلم لاحتياجات التعلم المتنوعة للطلاب داخل الصف. ويقوم على ضرورة مراعاة الطبيعة الخاصة لكل طالب على حدة مع مراعاة عناصر القوة التي يمتلكها والتي يمكن البناء عليها، وكذلك احتياجاته التعليمية التي يمكن تلبيتها، وذلك بهدف تحقيق الحد الأقصى من النجاح في إنجاز عملية التعلم، مراعياً اهتمامات وميولات وقدرات وأنماط تعلم الطلاب وكذلك الخلفيات النفسية والاجتماعية والبيئية والاقتصادية الخاصة بهم.

يسمح تطبيق مبادئ التعليم المتمايز داخل الفصل الدراسي بزيادة التحصيل الأكاديمي، وتحسين الإدارة الصفية، وزيادة دافعية الطلاب نحو التعلم، وتلبية احتياجات وإمكانيات الطلاب، وبناء الثقة بالنفس لدى الطلاب من خلال النجاح في إنجاز المهام التي يرونها – من وجهة نظرهم – صعبة.

ويطبق المعلم مبادئ التعليم المتمايز وفق الخطوات التالية:

أولاً: مرحلة القياس:

1. نمط تعلّم الطلاب

وهي المرحلة التي يقيّم بها المعلم نمط تعلّم الطلاب من خلال إجراء اختبار أنماط تعلم الطلاب

( Learning Style) واختبار الذكاءات المتعددة.

2. استعداد وجاهزية الطلاب:

من خلال عمل اختبار قبلي (pre-test)قبل كل وحدة دراسية أو الاكتفاء بعمل اختبار قصير قبلي (pre-quis) قبل كل درس جديد لاستكشاف ما يملكه الطلاب من معلومات خاصة بموضوع الوحدة أو الدرس، أو تصنيف الطلاب الى مجموعات حسب مستواهم المعرفي، وذلك بغرض بناء خطط دروس واقعية لا تصيب كلاً من فئتي الطلاب المتفوقين بالملل والطلاب المتعثرين بالإحباط. ويمكن تطبيق ذلك أيضاً باستخدام بعض الاستراتيجيات الخاصة بالتهيئة أو ملاحظات المعلم ووسائل التقييم البنائي المختلفة.

3. اهتمامات وميول الطلاب: من خلال تطبيق اختبار قياس ميول واهتمامات الطلاب على مستويين هما: قياس الميول والاهتمامات العامة مثل قياس الهوايات العامة والطرق المفضلة لقضاء أوقات الفراغ....إلخ. وقياس اتجاهات الطالب وميوله نحو مادة التعلم (أي موضوع من موضوعات المنهج يفضل الطالب دراسته أكثر من باقي الموضوعات) وطرق التدريس (تلقين- مناقشة- فردي- ثنائي- جماعي- عملي- نظري- مشاريع- استقصاء....إلخ)

ثانياً: مرحلة التطبيق:

ويمكن تطبيق التعليم المتمايز من خلال ثلاثة محاور

1. المحتوى أو المنهج: حيث تسمح بعض الدول للمعلم بإمكانية اختيار المحتوى العلمي ومصادر التعلم التي تتوافق مع المعايير المركزية لمناهج هذه الدول، مما يسمح للمعلم باختيار المحتوى العلمي المتوافق مع مستوى طلابه وتوقعات التعلم، وكذلك إمكانية تقديم وتأخير تعلم بعض المعايير بما يتوافق ورؤية التعليم والتعلم لدى المعلم. ويمكن أن يتم إدراج بعض الأنشطة الإرشادية للمعلم والخاصة بكيفية تطبيق مبادئ التعليم المتمايز في بداية كل وحدة دراسية.

2. طرق التدريس: وهنا يأتي دور المعلم المتمرس الذي يقوم باختيار طرق تعلم متناسبة مع أنماط تعلم طلابه وميولهم واهتماماتهم ومدى ما يعرفونه من معلومات عن موضوع الدرس. فعلى سبيل المثال:

إذا كان معظم الطلاب حركيين وتدور جل اهتماماتهم حول كرة القدم، فمن الممكن أن يقوم معلم الفيزياء بتدريس دروس الحركة والمتجهات في الساحة الرياضية عن طريق وضع علامات وأرقام على الأرض والسماح للطلاب بقياس المسافة والإزاحة والسرعة القياسية والسرعة المتجهة عملياً باستخدام خطوات الأرجل أو المساطر الخشبية وساعات الإيقاف.

إذا كان معظم الطلاب بصريين وتدور اهتماماتهم حول كرة القدم، فمن الممكن عرض أنشطة درس الحركة والمتجهات ومعلوماته على هيئة فيديوهات تحتوي على أهم وأجمل الأهداف وتحركات اللاعبين.

أما إذا كان اهتمامات الطلاب تدور حول السيارات، فلماذا لا يقوم المعلم بتصميم أنشطة درسه حولها؟

و إذا كانت اهتمامات الطلاب تدور حول الحاسوب وتطبيقاته، فلماذا لا يقوم المعلم باستخدام استراتيجية web quest لإتاحة الفرصة للطلاب للبحث عن المعلومات الخاصة عبر مواقع الإنترنت الموثوقة.

أما إذا كانت عينة الطلاب المتفوقين هي الغالبة على الصف، فلماذا لا يقوم المعلم بتطبيق استراتيجيات الاستقصاء العلمي بأنواعه، أو استراتيجية حل المشكلات مما يتيح الفرصة للطلاب للتوقع وفرض الفروض والتجريب وجمع البيانات والرسم البياني والاستنتاج وربط المنتج التعليمي بالمشاكل البيئية والعالمية، مما يزيد من زيادة متعة التعلم لدى هذه العينة من الطلاب وزيادة تحدي التعلم لديهم.

و إذا كانت عينة الطلاب أقل تحصيلاً هي الغالبة على الصف، فلماذا لا يستخدم التعلم بالدعائم التعليمية، حيث يتم تنمية مهارات الطلاب الأكاديمية والمختبرية والاجتماعية خطوة بخطوة مع تجزيء المهام وتدرجها، مما يسمح للطلاب بالوصول الى نواتج تعلم جيدة دون إحباط.

و إذا امتزجت العينتان (الأعلى تحصيلاً والأقل تحصيلاً) معاً داخل الصف الدراسي، فيمكن استثمار ذلك في تطبيق استراتيجيات تعلم الأقران المتنوعة واستراتيجية Jigsaw بتطبيقاتها الثلاث

(مجموعة الخبراء متعددي المهام) (مجموعة الخبراء أحاديي المهمة) (مجموعة الخبراء- القضاة) لما فيها من تدرج للمهام وتعلم متبادل بين الطلاب، وتوظيف للإمكانات المتنوعة للطلاب.

و يمكن أيضاً اختيار استراتيجية التعلم المتناسبة مع المرحلة العمرية ضمن سبل تطبيق التعليم المتمايز، حيث يفضل التعلم القائم على اللعب للفئة العمرية الصغيرة مع الاهتمام بالمهارات الأساسية.

كما يمكن استخدام دراسة الحالة مع الطلاب الذين يمتلكون قدراً عالياً من الاهتمام بالقضايا العالمية والمحلية حيث يتم الربط بين مواضيع الدرس وقضايا الوقت الراهن.

وبالتالي، أستطيع القول أن المعلم/ المدرب يستطيع اختيار استراتيجية التعلم المتناسبة مع الإمكانات البشرية والمادية لمجتمع التعلم بما يحقق المخرج التعليمي التعلمي المتوقع، على أن يراعي المعلم ضرورة الإطلاع المستمر على المستجات المختلفة وكذلك أن يكون دائم التحاور مع طلابه لمعرفة اهتماماتهم، ودائم القياس لوجهة نظر المجتمع التعليمي (الطالب- ولي الأمر- المشرف- المدير..إلخ) حول طرق تدريسه والمصادر التعليمية التي يستعين بها.

تتنوع طرق التقييم في إطار التعليم المتمايز باختلاف نمط تعلم الطالب واهتماماته، ومن الممكن أن تكون: مشاريع فنية- لعب أدوار (مسرحية أو مشهد تمثيلي) – بحث مكتبي أو عبر الإنترنت- وسائط متعددة- اختبارات كتابية – اختبارات شفهية... إلخ وتسعى الآن بعض النظم التعليمية، إلى محاولة مراعاة ذلك من خلال تعديل نظم التقييم والتقويم وخاصة في مراحل التعلم الحاسمة مثل مرحلة الثانوية العامة، بحيث لا تتحول عملية التعلم الى عملية كمية تهدف الى التدرب على طرق التعامل مع أنواع أسئلة معينة لحصد أكبر قدر ممكن من الدرجات، بل تعود عملية التعلم إلى هدفها الأساسي وهو بناء شخصية الفرد بمكوناته المتعددة.