«رسائل من الشاطئ الآخر».. مجموعة رسائل متبادلة بين الكاتب الصحفي المصري حسام عبد القادر والدكتورة دلال مقاري باوش مديرة معهد دراما بلا حدود في ألمانيا.. حول هموم وقضايا مشتركة تهم الوطن بمفهومه الشامل، وتعبر عن كثير من القضايا التي تؤرقنا نحو وطننا وتتحدث عن الغربة خارج الوطن وداخله، خاصة قضايا الهجرة والسفر والهروب عبر البحار والمحيطات لمستقبل غامض على أمل في غد أفضل. هذه الرسائل الأدبية تذكرنا بجنس أدبي افتقدناه كثيرا وهو أدب الرسائل أو فن الرسائل والذي يعد من الفنون الأدبية القديمة، وهو فن نثري جميل يظهر مقدرة الكاتب وموهبته الكتابية وروعة أساليبه البيانية القوية. والرسالة نص مكتوب نثرا، يبعث به صاحبه إلى شخص ما، كما تعتبر الرسالة الأدبيّة من أهم فنون السرديات؛ حيث تخاطب الغائب وتستدرجه عبر فنيتها ببلاغة الكلمة وقوتها.

الرسالة السابعة والعشرون.. العلاقة بين الألم والإبداع

صديقتي العزيزة دلال

هل الإبداع يولد من الألم؟ وهل الألم شرط للإبداع؟ ولماذا مجرد أن نتألم نبدع؟ وهل هناك علاقة طردية بين الألم والإبداع؟

ثم هل الإبداع حرفة أم موهبة؟ وهل كل تجارب المبدعين مروا بها فعلا؟

كل هذه الأسئلة وأخرى كثيرة تراودني بين الآونة والأخرى، وفي الحقيقة ليس لدي إجابة واضحة ولذلك أوجه الأسئلة لك، فأنا لا أدعي أني مبدع، وإنما مهنتي الصحفية هي التي توجه كتاباتي المختلفة، والصحفي دائما يعتمد في مقالاته على المعلومات وعلى رؤيته وتحليله للأحداث، عكس المبدع الذي يعتمد على انطباعاته للأشخاص أو للأشياء من حوله وقد يكون للتجارب التي مر بها.

ولذلك أستمتع دائما بردودك الإبداعية الرائعة، وبلوحاتك المبهرة، وأتذكر عندما كنت صغيرا أخطو خطواتي الأولى في عالم القراءة، ظننت أن كل ما اقرأه حقيقة، أو على الأقل به نسبة كبيرة حقيقية داخل إطار إبداعي، وأن الشاعر أو القاص إنما يبني قصيدته أو قصته على واقع عايشه ويضعه في قالب أدبي، ثم اكتشفت أن الأمر ليس كذلك، وإن كانت هناك قصص حقيقية بالطبع.

وتدريجيا بدأت اكتشفت العديد من الأشياء المهمة لدى المبدعين خاصة عندما أصبحوا أصدقائي، وأصبحت أعيش بجانبهم وأشهد كثيرا من لحظات إبداعاتهم، ولاحظت أن للإبداع أنواع عديدة جدا، وأتذكر مقولة مهمة لصديقي العزيز الأديب الكبير منير عتيبة «أن الموهبة لدى الأديب تمثل 10%، بينما التسعين بالمئة هي جهد واجتهاد وعمل»، إلا أنني مع احترامي وموافقتي طبعا لما قاله عتيبة، إلا أني لاحظت أن الألم له عامل كبير في خلق الإبداع بأشكاله المتعددة، وقد عايشت تجارب وحالات إبداعية كثيرة ينطبق عليها هذا الوضع، وإن كنت فعلا لم أستطع أن أصل إلى سر هذه العلاقة الأزلية بين الألم والإبداع.

وهل «الفنون جنون» فعلا؟ ولماذا تم الربط بين الجنون والذي هو خروج الإنسان عن عقله وعدم تحكمه وبين الفن أو الإبداع؟ وهل يمكن أن يكون المبدع أثناء لحظته إبداعه مجنون ثم يعود إلى رشده؟ ولدينا أمثلة كثيرة ولكن لا يمكن أن نعمم بكل تأكيد، إلا أنها قضية مثيرة للتأمل والنقاش.

هل جربت أن تعيشي الجنون لحظات يا دلال؟

في انتظار رأيك وحكاياتك عن تجربتك

حسام عبد القادر

يسعد أوقاتك كابتن حسام

عمري المحفوظ في قصيدة ماطرة، ولوحة لم تكتمل بعد، وفكرة مغامرة أو مجنونة نبتت في عروقي!ـ

قلم الرصاص وممحاتي، رفيقان دائمان للعمارة الإبداعية، والخلق المتكرر في حياتي، كأنني بالإبدع أحيك أو أرثي ثقوب الحياة المرة!

ألضم العقد المنفرط لأيامي الباردة (هكذا أرى قدرتي على الإبداع)، لا أعرف من ينطلق في رحلة الإبداع أولا (الموهبة أم الألم) لكنني أعرف أن مواهبي كانت محاولة للبحث عن أصوات جديدة لتقول الحكاية تقولني من الألم إلى الأمل!.

قد تكون راحتي الوحيدة حينما أستلقي في القصائد واللوحات، في خطوط الإبداع المتوقد، لأجد مكانا لنتف حكاياتي فأنام!.

محظوظ من وقع في سحر الإبداع، من أضاء تلك الشعلة، للبحث عن الكنز.. الكنز الداخلي.. هذه هي رحلة الإبداع بحثا عن أسرار الذات، حين تقودنا الأسئلة (سافر من نفسك إلى نفسك).

حيث يدخل المبدعون إلى العالم بألم وهشاشة، وتواضع روحي، أو إنكسار، يحملون روح البطل التراجيدي، بالعطب التراجيدي فيه.

أعتقد حسام، بأن الإبداع والمبدع، هو القدرة على فهم الرسائل الكونية المبثوثة بحكمة، والتي تصلنا غالبا من الجروح العميقة الغائرة، والمسكونة بالنور.

أن تكون مبدعا، هو أن تدرب عقلك على التفكير وطرح السؤال، والعبث في الفلسفة، كما أن تدرب أناملك على الإنتاج والعمل الطويل، وايضا النبش في الأعماق.

أيمكن أن نعتبر ذلك رشاقة الإبداع في الرقص بخفة بين العقل والفكر، وبين اليد الباحثة عما تخفيه الكلمات والألوان؟

وأعتقد أن هذا يحتاج منا مهارات التدريب الشاق والطويل، لكي يوغل المبدع بعيدا وعميقا في الأشياء والظواهر، يقوده السؤال، لتفسير الحياة والألم.

نعم حسام، كأن الإبداع والفنون هنا هي حالة من الترويض الهادئ والمتأني للحياة بأسئلتها الجوهرية الوجودية.

فهل نستطيع القول بأن الفنون والإبداع هي رحلة مركبة، ودعوة للدخول والسفر في مجاهيل دواخلنا؟

كأنه ضياع في المجهول الذي يغافلنا في حوارنا وترحالنا مع الفنون.

أسئلتك حسام أستدعتني أن أنفتح بعمق على مسار الإبداع، وهي من المرات القليلة التي أواجه فيها هذه الأسئلة غير المألوفة والتي تحفزني على إعادة إنتاجها برحلة معرفة تعرف بدايتها ولكن، كم تجهل النهاية!.

المبدع يا صديقي هو شخصية قلقة، حيرى في مسارها للتعبير، ظمئى وعطشى للمعرفة، تتخبط في أحشائها آلاف الأجنحة، التي تتحول إلى إستعارات وبدائل فنية.

ذكر الفلاسفة والمفكرون في العصر الحديث بأن الإبداع ينكر الأقوياء، والغزات، في معظم الأحيان، لكنه يحتوي المعطوبين المموهين بالألم!.

هشاشة ورقة وضآلة، هي نبتة الإبداع، إنفجاراتها في البحث عن الضياء، صرخة لا تصمت وقلق لا يكف عن السؤال، قد تموت نبتة الفن، لكن أثرها وبذورها لا تموت، تبقى تتوالد في روحانية، وتتحرك بإنسيابية، كرمال الصحراء.

لا توجد موهبة دون فكر وعمل، ولا يوجد إبداع دون الشوق إلى الأسرار والغرابة، ولا توجد فنون دون حرية وإنطلاق وجنون للعبث والتخريب وإعادة البناء.

إذا هكذا أرى الإبداع كابتن حسام طفولة فنية دائمة، وترحال نحو البساطة والأسرار وشوق للقبض على الغبار، وحوار بين المبدع والكون، يمتلئ بالنور والألم وقلق السؤال.

صراحة كابتن حسام توقفت كثيرا أمام أسئلتك، وقلت لنفسي، كيف يكون الجواب؟

هل تكفي قصيدة متمردة عن الوزن والقافية، أم لوحة تسكنها الغرابة والسؤال؟

مع يمامات البريد الإلكتروني، أرسل لك بفكري، وحيرتي وإنفعالاتي

د. دلال مقاري باوش