خالد عزب



..ويبدو أن ذلك العمل التحقيقي كان جزءا من مشروع طمح إليه وقتها، بالرغم من بعض الصعوبات التي واجهها بعد عودته إلي لبنان ومعاناتِه الانتماء إلي فئة المثقفين في لبنان، كما سأشرح لاحقا، فقد أدرك أنه لن يكون مؤرخا بالشكل المعروف للمؤرخ الذي يؤرخ للأحداث السياسية والاجتماعية، لكن ثقافته التاريخية الواسعة، وتحيزه للفكر السياسي تحديدا، ونشرَه تلك النصوص المبكرة فيه، مكّنه من إدراك أوجه القصور في دراسات الفكر السياسي الإسلامي، فقد رأي أن الدراسات التاريخية المعاصرة والحديثة حول قضايا الصراع الداخلي في الاجتماع الإسلامي الأول، (والتي تسود فيها فرضيتان لهاملتون جب ولمارتن هايندز)، تتجاهل النص في فهم الأمور كلها، وحتي دراسات الباحثين الإسلاميين التي يُذكر لها فضيلة التركيز علي النص، تتجاهل عمل النص في التاريخ.

وهكذا تبلور لديه أن ثمة منظومة فكرية سياسية إسلامية أو عالم ويتم فهم المصطلح وتتبعه في تاريخ الجماعة من خلال الوظيفة التي تؤديها في المنظومة. وهو ما قام به في كتابه «الأمة والجماعة والسلطة» (1984)، و«مفاهيم الجماعات في الإسلام» (1984).

اشتغاله علي المفاهيم وإنجازه دراساتٍ مفهومية مفتاحية (مثل الجماعة، والأمة، والفتنة، والسنة، والدولة...)، كان الهدف منه الوصول إلي إعادة تشكيل الحقل التاريخي لظهور الأمة وظهور الدولة في الإسلام، وهذا عمل تأريخي بامتياز، لكنه ينتمي إلي حقل جديد في التاريخ يسمي تاريخ الأفكار أو التاريخ الثقافي، وهو أشد وضوحا في كتابه «الجماعة والمجتمع والدولة» (منشور سنة 1997 وكان قد بدأ فيه سنة 1985) الذي افتتحه بالحديث عن «التاريخ والتاريخ الثقافي».

وتأريخ الأفكار فرع نشأ في النصف الأول من القرن العشرين، وربما استقل علما برأسه في بعض الجامعات كما في السويد مثلا. والفرق بين التاريخ وتاريخ الأفكار أن مؤرخ الحدث السياسي معرّض للوقوع في أسر الحدث نفسه، وأسر الجزئي والقريب والمادي الملموس، أما مؤرخ الفكر فهو مرتبط، بحكم طبيعة مجاله وتفكيره، بالنص أو النصوص، وكان رضوان السيد أقرب لهذا اللون، ودراساته الأولي تنتمي إلي هذا الحقل تحديدا، فقد أدي تطور الدراسات التاريخية ودراسات نقد النص إلي تشكل خبراتٍ تقنية ونقدية متنوعة أتاحت لرضوان وجيله البدء بكتابة التاريخ المفهومي والأيديولوجي لثقافتنا الوسيطة، وهذا التاريخ يقرأ المفاهيم والتوجهات والأفكار: السائدة، والهامشية، والمعارضة. ويتصدي لعرض الأيديولوجيات الكامنة وراء التصرفات والأعمال السياسية والاجتماعية والاقتصادية والرمزية/ الأخلاقية.

وقد أوضحَ الوظائف المنوطة بهذا التأريخ وهي وظائف ضخمة ومهمة تتمثل في: «العرض الكاشف» من أجل الفهم والوظيفة والدورن وطرائق العمل والاشتغال. «والعرض الناقد»، بمعني التحليل والمقارنة والوضع في السياق ومحاكمة الفكرة والرؤية استنادا إلي المرجع الأيديولوجي الذي تزعم الاستناد إليه. و"العرض المحرر»، بمعني الاستيعاب والتجاوز عن طريق التحديد في الزمان والمكان.

وتأريخ الأفكار كان أول شيء لمسته في كتابات وتفكير رضوان السيد، بل كان أبرز ما جذبني وأمتعني فيها، بالرغم من عدم ولعي بتاريخ الأحداث علي الطريقة التي درسناها في المدارس والجامعات التي ربما لا أزال أحمل مواريث نفوري منها.

إلا أنه لم يستمر في ممارسة تلك الوظيفة التأريخية الضخمة؛ ولعل ذلك يعود لأسباب عديدة، ترجع لأمرين رئيسين:

الأول: تلك التحديات التي واجهها بعد عودته إلي لبنان والالتباسات التي أحاطت بدوره وتخصصه ودخوله الوسط الثقافي اللبناني، بل بهويته الثقافية. والثاني: إكراهات أحداث الثمانينات وما بعدها، التي لابد أن تفرض نفسها علي المفكر المهموم بشؤون أمته.

فيما يتعلق بالأمر الأول فإن رضوان السيد درس في المعهد الديني في لبنان علي أيدي أساتذة مصريين ثم رحل للدراسة في الأزهر في مصر، ثم لم يلبث أن سافر إلي ألمانيا ليعود إلي لبنان أواخر 1977م، يعني ذلك أنه كان بعيدا تماما عن البيئة الثقافية في لبنان، وكان مفتقرا لمعرفة حساسياتها (اليسارية واليمينية)؛ لأنه لم يعشها أثناء تكوينه العلمي والفكري فضلا عن الانتماء إليها، فقد كان يتنفس أجواء مختلفة في مصر وألمانيا. وفي لبنان علي وجه الخصوص، للثقافة والمثقف صورة ومعني خاص، فهو مرتبط أولا بالعلمانية، فلا يمكن أن تكون مثقفا وأنت غريب عن هذا المصطلح والمفهوم. كما أنه لم يكن يليق بالمثقف أو من يريد أن يصبح كذلك أن يتعاطف مع الناصريين؛ لأنهم سذّج وعوامّ، ولا ينتمون حقا إلى اليسار التقدميّ! وكانت عواطف رضوان وقتها أقرب إلي الناصرية. «فالمثقف اللبناني كان يملك لنفسه حينها صورة المثقف الفرنسي العلماني المعارض، وهو في أكثر الأحيان يعرف ما لا يريده أكثر مما يعرف أو يهتم بمعرفة ما يريده، ثم إنه، بحكم علمانيته اليسارية المنزع غالبا، لا يري أن الدين يمكن أن يكون موضوع دراسة علمية، ومن هنا فقد أقبل المثقفون اليساريون العرب واللبنانيون منذ الستينات علي تأمل الدين الإسلامي والحضارة الإسلامية تحت عنوان التراث. وقد اعتبروا أنهم موضوعيون تماما في هذا التأمل حين اعترف بعضهم بوجود عناصر ثورية في الدين، ثم حاولوا اكتشافها في دراسات متطاولة ما تنفك تصدر بلا توقف.

وما تغيرت نظرتهم إلي الدين حتي اليوم، لكنهم تحت وطأة الأحداث منذ السبعينيات أصدروا حكما محددا علي الإسلام اعتبروه بمقتضاه ثورانا رجعيّا ضد الحداثة ومخاطرها وتحدياتها. وعندما تصدعت جبهاتهم بانهيار الأحزاب والحركات اليسارية في لبنان وغروب الشيوعية الدولية في العالم، اندفع كثيرون منهم إلي أحضان الليبراليات الجديدة ذات الجذر العلماني، فتغيرت آراؤهم في كثير من الأمور باستثناء الدين، الذي ظل يعتبرونه أنثروبولوجيا سكونية الجوهر، مستعصية على التغيير.

ولهذا المعني للدين، وتلك الصورة للمثقف في لبنان، واجه رضوان السيد تحديات عديدة وتعرّض لمواقف طريفة، كانت كلها تدور حول طبيعة هويته، أهو مثقف أم شيخ؟ فكونه ليس علمانيا واضحا وصريحا، مع حملته علي مسار العلمنة العربية في بحث نشره إبان سنة 1980، كل ذلك تَسَبب في تبخر حماس بعض أساتذة الجامعة الأمريكية له، فلم يتم قبوله أستاذا لكرسي الشيخ زايد للفقه الإسلامي بالجامعة وكان قد رشح له. كما أن كونه درس في الأزهر وأصدر بعض التحقيقات التراثية وكونه متخصصا في الدراسات الإسلامية جعل المثقفين وقتها يصفونه بأنه شيخ أو فقيه وإن لم يكن يلبس عمامة! حتي إنه تهرب من هذا حين تقدم إلي المعهد العربي للإنماء في بيروت فور عودته من ألمانيا قائلا: «إنني أحمل شهادة دكتوراه في الفلسفة أو في الاستشراق»، وتم قبوله ليصبح بعد ذلك بسنتين رئيس تحرير مجلة المعهد البارزة «مجلة الفكر العربي» ثم مديرا للمعهد نفسه (1982-1985).

إلا أن د.معن زيادة حاول حل تلك المعضلة فقال له: «أنت لست شيخا واعظا كما أنك لست فقيها بالمعني التقليدي لذلك، لكنك تعرف كثيرا في الأدبيات العربية القديمة، لذا فأنت مختص في التراث»!، وإن كان هذا التحديد لم يعجب وضاح شرارة زميله الآخر في المعهد، فقال له: «أنت بارع في تحقيق النصوص القديمة، لكنك لست بارعا في قراءتها ودراستها، فما رأيك لو اشتركنا معا: أنت تحقق النص، وأنا أكتب مقدمته الدراسية!».