الرسالة الملكية الموجهة لدائرة المخابرات العامة بوصفها «درة التاج الأردني» جاءت في توقيت حساس من عمر الدولة الأردنية ويتوجب قراءتها بلا تهويل أو تقليل وبنطاق ما ورد فيها دون استزادة أو تأويلات في غير مكانها، وبحقيقة دلالاتها وموجباتها التي يغلب عليها الظن بأنها قد جاءت بعد توصيات ودراسات من (الدائرة) نفسها لما كانت تعانيه خلال السنوات الماضية من تقصير لبعض المؤسسات التي يفترض فيها أن تقوم بواجبها المناط بها بموجب أحكام الدستور والقانون، ولا يعقل أن تبقى دائرة المخابرات العامة تقوم بعمل المؤسسات الاخرى في كل صغيرة وكبيرة وتغطي على العجز الإداري لدى هذه المؤسسات العامة على حساب وقت وجهد (الدائرة) وأن تقوم بتفريغ ضباطها وافرادها واهدار امكانياتها في تفاصيل ليست معنية بها أساسا ولا يعقل أيضا أن يكون هنالك بعض الجهات التنفيذية تزرع الشوك لتقلعها مؤسساتنا الأمنية والعسكرية، فكان لابد من تفعيل هذه الإدارات والنهوض بها لمستوى ما تفرضه عليها قوانينها الخاصة لكي تنهض بنفسها بالاعمال الموكلة إليها..

تطوير عمل مؤسسات الدولة الرقابية والتنفيذية وجهات تطبيق القانون مثل مؤسسة تشجيع الاستثمار وهيئة النزاهة ومكافحة الفساد ووحدة مكافحة غسل الاموال وتمويل الارهاب والنيابات العامة، ووجود غرف قضائية متخصصة تنظر في المنازاعات الناشئة عن اعمال رقابة المؤسسات اعلاه التي استطاعت تطوير ادائها وتأهيل العاملين لديها بمجالات تخصصهم، وتراكم الخبرات الفنية والادارية والمعلوماتية والتكنولوجية واستكمال حلقات العمل اداريا وفنيا وتشريعيا ومتطلبات كل ذلك دفع لاعادة إنصاف المخابرات ورفع هذا العبء غير الضروري عن (الدائرة) وبما يمكنها من التفرغ الاستخباري في منطقة مضطربة يعاد فيها الآن تشكيل انساق ما دون الدول لا سيما أن التحليلات الاستراتيجية والمعلوماتية تؤشر إلى ازدياد متواتر وتوسع في خريطة المخاطر مما يستلزم عملا وجهدا مضاعفين من قبل (الدائرة) حيث ستشهد المرحلة المقبلة توسيع نطاق عمل الجهاز لا العكس، بحيث ينتقل في التصنيف من تكتيكي دفاعي محدد الى استراتيجي هجومي غير محدد..

جهاز مخابراتنا «كحامي تقليدي للدستور» وبما يحظى به من سمعة إقليمية وعالمية هو محل احترام، وما يحظى به من دعم وتأييد شعبي واسع النطاق لا يستحق الدعم المادي والمعنوي فقط، بل لابد من تفريغه لما هو أعظم وأكبر وأهم وفق واجباته المحددة بموحب القانون والدستور وللعلم فالرسالة الملكية الوازنة الحصيفة ليست موجهة للدائرة فقط بل يمكن اعتبارها موجهة لكل مؤسسات الدولة الدستورية والقانونية على السواء للقيام بما يفرضه عليها الدستور والقانون وان لا تكون عبئا على غيرها من المؤسسات في العمل الفني والميداني وان تعمل على ضرورة تطوير نفسها وادواتها بما يمكننا من اعادة البريق لبيروقراط الدولة وفعالية قوة المكتب والقدرة على متابعة ومحاسبة كل ادارة وتقييمها بشكل منصف ومعياري وموضوعي..

الرسالة الملكية للجهاز مهمة جدا وجاءت في توقيت حساس وتقع تحت بند «الدولة الواثقة المؤسسية» لكن اتمنى أن لا يفهم منها البعض بسوء تقدير أن الدائرة باتت بعيدة عن المشهد في جمع المعلومات وتحليلها وتبويبها وتصنيفها وتقديمها لصانع او صاحب القرار حتى في المؤسسات المستهدفة بالنهوض بها وتكريمها بلزوم القيام بدورها اداريا وفنيا، وبالرغم من انها جاءت متعلقة بمواضيع محددة مثل الاستثمار والجهات المسؤولة عنه والمعنية به والتخفيف من القيود والمخاوف بشأنه إلا أن ذلك لا يعني أبدا بأن هذه المؤسسات والقائمين عليها وفيها باتت بعيدة عن الرصد والمتابعة والتقييم والمحاسبة وكما نهضت المخابرات العامة يوما بمكافحة الفساد بموجب مديرية متخصصة حتى أحيل الملف لجهة صاحبة اختصاص مع بقاء الدائرة تقوم بتزويد الجهة المستحدثة لهذه الغاية بما لديها وما يستجد من معلومات استخبارية فلن يختلف الحال كثيرا لهذه المقاربة مع باقي المؤسسات وفقا لاحكام القانون..