أ.د. جودت أحمد المساعيد

توجد استراتيجيات عديدة لإدارة الوقت بالفاعلية المنشودة، إذ ينبغي على الفرد أخذها بالحسبان كي يستثمر الوقت بأفضل طريقةٍ ممكنة. ويتمثل أهم هذه الاستراتيجيات في استراتيجية التخطيط للوقت، والتي تقوم على تجنب الفرد للعشوائية والارتجالية في العمل بصورةٍ عامة وفي تعامله مع الوقت بصورةٍ خاصة، مما يحتم عليه التخطيط المسبق والدقيق من أجل الاستفادة الحقيقية لكل أجزاء الوقت عن طريق تجهيز قائمةٍ بالمهام التي يجب إنجازها، بحيث يتم تدوين جميع الأفكار التي ترد الى ذهن الفرد سواءٌ على صفحات المفكرة الخاصة به، أو على صفحات ?لمفكرة الإلكترونية لجهاز الهاتف المحمول الذي يملكه، أو على جهاز الحاسوب الشخصي.

وتتبع عملية التدوين للمهام، عملية أخرى تتمثل في تدريج هذه المهام حسب أهميتها، وذلك في ضوء تقسيمها الى ثلاثة محاور رئيسة: أمور عاجلة وفي الوقت ذاته مهمة، وأمور مهمة ولكنها ليست عاجلة، وأمور ليست عاجلة وليست مهمة. على أن يتبع ذلك القيام بحذف ما هو غير مهم مما هو مدرج في القائمة، مع تأجيل الأمور غير الضرورية لصالح الأكثر أهمية وضرورة القيام بها، إذ ليس من اللازم عمل كل المهام في وقتٍ واحدٍ، مع الأخذ بالحسبان بأن استثمار الوقت عامل أساس لإنجاز كل مهمة من المهام الموجودة في القائمة، وضرورة حساب الوقت اللازم لإن?از كل مهمة، مع اضافة الوقت الضائع المتوقع.

وهنا يصبح التفكير فيما تمّ تخطيطه وما سيتم تنفيذه بشكل أكثر فاعلية، مع الابتعاد قدر الامكان عن التردد وضياع الوقت في صالح الخلاصة المطلوبة للإنجاز. وهنا، فإن من الضروري العودة الى الأهداف الموضوعة من قبل، بحيث تبقى في المخيلة، مع وضع تسلسلٍ زمني لتحقيق كل هدفٍ منها. وفي الوقت ذاته، تبقى المرونة عنصراً ضرورياً يؤخذ بالحسبان بعد تقسيم كل خطوة من خطوات المسؤولية الى خطواتٍ أصغر، وتدريجها حسب الأهمية، مع استثمار الوقت الزائد لتحقيق خطوةٍ أخرى تحتاج الى مزيد من الوقت.

وينطبق عنصر التخطيط المهم أيضاً على كل ساعةٍ من ساعات العمل اليومي، إذ ينبغي تحديد أوقات إنجاز مهام الجدول اليومي، مع إعطاء الوقت اللازم لكل مهمةٍ من أجل إنجازها، بالإضافة إلى ضرورة استثمار الوقت للتعامل مع المهام ذات الأولوية. وعند الانتهاء من مهمة ما، فإنه لا بد من الانتقال فوراً إلى إتمام المهمة التالية وهكذا، مع الأخذ بالحسبان ضرورة الإستفادة من زخم الطاقة من أجل إنجاز المهام الأكثر أهمية.

ولما كانت الاجتماعات ضرورية وتحتاج الى وقتٍ فعلي، وحتى يتم تحقيق أكبر عدد من الأهداف من ورائها، فلا بد من تحديد هذه الاهداف أولاً وبدقةٍ تامة، مع الاستعداد لهذا الاجتماع، وجعل المشاركين فيه يقومون بما يتوقع منهم عن طريق توزيع جدول الأعمال المفصل مسبقاً، حتى يساهموا بكل ما لديهم من خبراتٍ وفي أقصر وقتٍ ممكن لتحقيق أهداف الاجتماع.

ومن خلال التخطيط لاستغلال الوقت اليومي، فإنه يجب أن يضع الفرد لنفسه في الخطة ما بين 10 % إلى 15 % زيادة للوقت، من أجل التعامل مع بعض التأخيرات الروتينية أو المواقف الطارئة، مما يجعله أكثر فاعلية وأقل إرهاقاً. وفي الوقت نفسه ينبغي إعداد ملفٍ خاصٍ بمواعيد التسليم النهائية للمهام، وذلك من أجل المساعدة على الالتزام بتلك المواعيد. وكلما كان البدء بالمهمة مبكراً كان الوقوع تحت الضغوط الخاصة بالعمل أقل بشكلٍ واضحٍ للعيان.

أما الاستراتيجية الثانية فتتمثل في التنظيم للوقت، إذ لا يمكن لعملية تخطيط الوقت أن تنجح، إذا لم تتبعها عملية دقيقة لتنظيم الوقت ذاته. وهنا، فإنه لا بد من ربط موضوع إدارة الوقت بعملية التنظيم في مجالاتٍ متعددةٍ تتلخص في ضرورة تهيئة الفرد للمكتب الخاص به حتى يقوم بأفضل أداءٍ في أقصر وقتٍ ممكن، وذلك من حيث توفير الضوء الطبيعي، وإيجاد مساحةٍ فارغةٍ وكافيةٍ على طاولة المكتب، مع وجود كرسي مناسبٍ ومريح، ووضع كل شيء في المكان المخصص له في نهاية اليوم، والعمل على إفراغ المكتب وإعادة كل ملف أو ورقة أو وثيقة إلى مكان?ا، حتى يتم تفادي تكديس الأوراق فوق المكتب بشكل فوضوي وغير منظم.

كما ينبغي على الشخص أيضاً الاستفادة من جميع المصادر المتاحة وذات القيمة العالية عند الرجوع اليها، مع ضرورة الوصول اليها بسرعةٍ ودون ضياع الوقت الكثير في البحث عن الأفضل. ومن المستحسن في هذه الحالة، الاستعانة بالآخرين للبحث عن المعلومات المهمة، مع ملاحظة أن مصادر غنية بمثل هذه المعلومات مثل الأرشيف لدى المؤسسات الحكومية والخاصة، وشبكة الانترنت، قد تبقى ذات قيمةٍ كبيرةٍ كمصادر مهمة للمعلومات دون ضياع الوقت بدون فائدة.

ويجب أن يأخذ الفرد في الحسبان أن يبدأ يومه بمكتبٍ نظيف، وما أن يأتي المساء حتى يتخلص من أي تراكم للأوراق أو مشاريع العمل، لأن التعود على تنظيف المكتب من المعاملات والأوراق والمشاريع، ستؤدي إلى التغلب كثيراً على الفوضى المربكة للعمل، وبخاصةٍ تلك التي تتطلب إنجاز عدد من المهام في وقتٍ واحد، في حال عدم التمكن من إتمام كل مهمة من المهام المطلوبة أولاً بأول. كذلك من الضرورة بمكان الاستعداد لليوم التالي عن طريق الاحتفاظ بجدول الأعمال الخاص به في ملف المخطط اليومي الخاص، أو العمل على جمعها كلها على شكل كتيبٍ صغير? لأن تحضير جدول أعمالك في وقتٍ سابق، تجعلك تبدأ بداية أفضل في يومك الجديد، ويجعل ذهنك أكثر صفاءً للتفكير السليم في الخطوات التي ستأتي فيما بعد.

وفي حال مواجهة الفرد لمهام ٍ صعبة وأخرى أكثر صعوبة، فعليه البدء بتلك الصعبة جداً، حتى يشعر فيما بعد بأن من يأتي من المهام هو أكثر سهولة مما تم إنجازه، وأن يشعر بأن الإحباط لا مكان له. وفي الوقت ذاته، يضع في الاعتبار تطبيق مبدأ القيام بالعمل فوراً دون تأجيل، لأنه إن تأخر عن البدأ فلن تنتهي بسبب تراكم الأعباء، ولكن إذا قام بإنجاز بعض المهام كل يوم، فسوف يشعر بأن بعض الأهداف لديه قد بدأت تتحقق.

وهذا يتطلب منه أن تصبح مهارة دقة المواعيد عبارة عن عادةٍ لديه، تدفعه الى إنجاز خطواتٍ من العمل في مواعيدها المحددة، مما يجعله فيما بعد يحترم جداً أوقات الآخرين. وفي هذا الصدد ينبغي عليه الاستفادة من البداية المبكرة للمهام صباحاً، وذلك عن طريق الاستيقاظ مبكراً، واستغلال ذلك من أجل أفضل الأداء، والاستثمار للوقت الذي يكون الجسم والعقل قد أخذ القسط الكافي من الراحة، ويكونا في حالةٍ ملائمة للعمل بنشاط واضح.

وعلى الفرد أن يأخذ في الحسبان عند التعامل مع استراتيجية تنظيم الوقت، أن يترك وقتاً للراحة لنفسه ولأسرته، تأكيداً على تحقيق التوازن في جوانب حياة الانسان التي يركز على مبادئها الاساسية الاسلام الحنيف، عندما أكد على ذلك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن لبدنك عليك حقاً، وإن لنفسك عليك حقاً، وإن لأهلك عليك حقاً، وإن لربك عليك حقاً، فأعطِ كل ذي حق حقه).

وتتمثل الاستراتيجية الثالثة في التفويض للاستثمار الأمثل للوقت، ولهذه الاستراتيجية فوائد عديدة من أهمها مساعدة الفرد في التخلص من العديد من المهام والأعمال الروتينية، والتشجيع على إنجاز عدد من المهام بشكلٍ متوازٍ، وإعطاء الفرد فرصة مبكرة للتفكير الفعال والتخطيط السليم للوقت المتاح، وتنمية مهارة التعامل مع الآخرين والتعاون معهم في سبيل الاستثمار الأفضل للوقت، والمساعدة في إتمام المهام الأكثر حيوية، والعمل على اختصار الوقت اللازم لصناعة القرارات المهمة، واكتساب الكثير من المعارف والمهارات والاتجاهات المرغوب ف?ها نتيجة المرور بخبرات متنوعة مع الآخرين.

وتوجد مشكلة كبيرة في موضوع التفويض، تتمثل في رفض الكثيرين القيام بها. وقد يكون ذلك بسبب الخشية من المخاطرة وحدوث المشكلات، والاعتقاد بأن الناس سوف يصفونه بالكسل وعدم النشاط، وعدم الثقة بالآخرين ممن قد يمنحهم التفويض، وبالميل الى السيطرة والاستبداد في الصلاحيات بشكل منفرد. كما قد يؤدي التفويض للشخص غير الكفؤ إلى العديد من التعقيدات من جهة، والتأخير في إنجاز المهام في الوقت المحدد من جهة ثانية، هذا ناهيك عن أن الشخص الذي يتم التفويض له يصبح عالةً على من قام بتفويضه، وبدلاً من أن يكون حلاً للمشكلات، فإنه يكون جزءاً لا يتجزأ منها.

لذا، فإنه لا بد من أن يؤخذ في الحسبان، أن على الشخص الذي ننوي تفويضه بالصلاحيات، أن يتصف بصفتين مهمتين للغاية، تتمثل الاولى منها في القدرة الجسمية والعقلية والمهارية على القيام بالمهام التي سيتم تفويضها إليه. ويمكن التأكد من ذلك عن طريق الخبرات مع ذلك الشخص سابقاً، بحيث يتم التأكد من أنه يمتلك تلك القدرات، ثم الرغبة الحقيقية للشخص، والحماسة الواضحة لديه ليس لتقبل الفكرة والقيام بها فحسب، بل وانجازها أيضاً بالمستوى المرغوب فيه.

أما الاستراتيجية الرابعة والأخيرة فتتمثل في استراتيجية التعامل بذكاء مع مضيعات الوقت، حيث يمكن تعريف مضيعات الوقت على أنها تلك العوامل التي تقف حائلاً دون إنجاز الأعمال المهمة وذات القيمة العالية التي يسعى الفرد إليها، ويمكن تعريفها أحياناً أخرى على أنها تلك الأعمال أو المهام التي تستغرق وقتاً طويلاً لا يتناسب مع القيمة الناتجة عنها، أو أنها الأعمال التي تشغل الفرد كثيراً، بينما المردود الفعلي من ورائها يبقى محدوداً لتحقيق الأهداف المنشودة التي يسعى إليها الفرد نفسه.

خبير المناهج وطرق التدريس

profjawdat@yahoo.com