أبواب - زياد عساف

«على الدولة أن ترفع الضرائب على العزَّاب..فليس من العدل أن يكون بعض الناس أكثر سعادة من غيرهم»، وجهة نظر قد تروق لكثيرين أطلقها الكاتب المسرحي العالمي أوسكار وايلد وكانت نتاج تجارب ليست بالسهلة عاشها على مسرح الحياة، وأشارت صحيفة «الديلي ميل» مؤخراً وعلى لسان خبراء من الولايات المتحدة أن (كوفيد 19) سيؤدي لانخفاض نسبة المتزوجين ما يعني استشراء ظاهرة العزوبية أكثر وبالتالي انخفاض اعداد المواليد ما يعني تحميل العازب المسؤولية المباشرة عن إنقراض البشرية!.

رصد أحوال (العزَّاب) لم يقتصر على اهتمام الأدباء والخبراء بهذه الفئة من الناس، فالأغاني كان لها دورها أيضاً في تسليط الضوء على المضربين عن الزواج بصور غنائية تنتقد طريقة تفكيرهم وترثي لحالهم، ولم تخل الرؤى من الحسد على ما ينعمون به من حرية وراحة بال.

نظرة سلبية..

«شطَّبنا إسم العريس من دفتر العزوبية»، هذه واحدة من أغاني الأعراس الشعبية التي يُزَفْ بها العريس المودِّع لحياة العزوبية، وتعتبر نموذجاً من تراث أغاني الأعراس الفن الأصيل المتجذر في كل البلاد العربية، ويكمن سحره في جمال ألحانه وكلماته، والأهم من ذلك إنه يعكس هويتنا الاجتماعية وبيئتنا الثقافية ومراّة لواقعنا الاقتصادي والسياسي، ولم يقتصرالأمر على الأعراس فالأرشيف الغنائي يحتفظ بما يمكن أن نطلق عليه (أغاني العزوبية) أيضاً، ومنها نستخلص نمط التفكير لدى هذه الفئة ورصد ظاهرة العزوبية وأسبابها المرتبطة بأحوالنا ?لإجتماعية والنفسية، ومفهوم الحرية والإستقرار بمنظور الشعوب.

النظرة السلبية للعازب هي أول ما يلفت الإنتباه في هذه النوعية من الأغاني التي تصف العازب بأنه (أبو عين زايغة)، والفلكلور المصري يؤكد هذا الرأي الذي لا يخلو من الإجحاف أحياناً ومن هذه الأغاني:

«عيني عالعازب يا عيني عليه

طالع يبص نازل يبص

خس النص يا عيني عليه».

وفي أغاني الأعراس الشامية تخاطب فرقة (العراضة) المضرب عن الزواج:

«روح تجوز روح روح..حاجي (تبصبص) على السطوح».

سخرية..

التهكم على شخصية العازب وأسلوب حياته عبر عنه بعض المطربين بمجموعة من الأعمال الفنان المونولوجست شكوكو وبسخريته المعهودة يصف للمستمعين حال المضربين عن الزواج:

«يا خسارة العازب لما تبهدله الأيام

ييجي يلبس جزمته يلاقي كعبها قدام

والجاكيته بحمالات والبنطلون باكمام

وان بص للمراية يلاقي نفسه مدام».

الفوضى التي يعيشها العازب قد تصل لدرجة (البهدلة)، ويرصدها لنا التراث الغنائي السوري بهذه الصورة التي تدعو للشفقة أحياناً:

«العزابي يا دلِّو ما في مين يغسله

صابونته بجيبته ألله يخلي ميمته

حامل بقجة قمصانه داير على جيرانه».

بين السطور..

التشجيع على الزواج ونبذ فكرة العزلة كان حاضراً في الأغاني ولكن بين السطور، وبصور غير مباشرة ونلمسه في صورة المعاناة التي يعيشها الإنسان (الوحيد) وما تخلفه من كاّبة، لدرجة أن المستمع قد ينسى نفسه وتأخذه الشفقة فيتناول ما في جيبه ويقدمه لهؤلاء أمثال محمد عبدالوهاب وهو يرثي حاله (طول عمري عايش لوحدي)، أو من فرضت عليه العزلة أن يسهر منفرداً كعبدالغني السيد (انا وحدي ياليل سهران بفكر في اللي ناسيني)، وأم كلثوم (سهران لوحدي)، فيروز (أنا وسهرانة وحدي بالبيت..على السكِّيتْ ومثل الضجرانة)، ملحم بركات (وحدي أنا ساكن لوحدي)، عفاف راضي (وحدي قاعدة في البيت.. والنبي دا حرام)، وردة الجزائرية (وحدانية أنا ولي قلب..وعايزة أحب..زي كل الناس يا قلبي)، ثم سيد مكاوي (ما تفوتنيش انا وحدي أفضل احايل فيك)، وليس أخرهم صباح فخري وقد أوصلته الوحدة لحالة (النواح) وهذا بمثابة الفأل الغير مستحب لدى الرجال: (سيبوني يا ناس في حالي اروح مطرح ما روح..دا غزالي وافق عزالي وخلاني لوحدي أنوح).

توريط..

المدخل الغنائي الآخر لإبراز الوجه الإيجابي للزواج نلمسه بتعدد محاسن الاقتران بالشريك وبنوايا لا تخلو من توريط العازب بالإقدام على هذه الخطوة بعد تسليط الضوء على الأضرار التي تخلفها الوحدة، في ذلك ومن مسرحية (حلوة كتير) غنَّت المطربة صباح:

«الجازة حلوة يا عشاق

فرحة للقلب المشتاق

العزوبية ما بتنطاق

ما في أعزب بتفيدو».

الزواج نعمة والعزوبية هم، هذا ماتلخصه مقدمة أغنية نهاد طربيه:

«بدنا نتجوز ع العيد بدنا نعمِّر بيت جديد..شبعنا عزوبية وهموم غيرة وسهر ومواعيد».

تلميح..

التلميح للعازب بالإرتباط جسَّدته أغاني التراث أيضاً وفي أكثر من بلد عربي، ففي التراث الغنائي لأرض الكنانة يأت العرض الغير مباشر وعلى لسان الفتيات:

«أعمله المسقّعة في الحلَّة المبقعة.. واقوله كُل يا منيِّل.. مبتجوِّز ليه؟!

اعمله الملوخية في الحلَّة المصدِّية.. واقوله كُل يا مدهول.. مبتجوز ليه؟!».

ومن حوار غنائي في مسرحية (ريَّا وسكينة) تلمَّح سكينة (سهير البابلي) لعبدالعال (أحمد بدير) على أمل أن تورطه بالإقتران بها:

«مين بيطبخ لقمتك.. مين بيغسل هدمتك.. مين بيمسح جزمتك؟.. حسرة قلبي عليك وعليا كده واحداني.. زيي تمام ما انا وحدانية أيوه ياني»!.

اليوم العالمي للعزاب..

أفكار وآراء كثيرة باتت تُطرح لتجميل وتسهيل فكرة الزواج فلقد أقرت الصين عام 1993 ما يُعرف بـ(اليوم العالمي للعزاب) ليحتفل غير المتزوجين من الشباب والفتيات بهذا اليوم عسى أن يجد كل طرف ضالته، إلا أن الغناء العربي كان سبَّاقاً في طرح هذا التصور عبر أحداث فيلم (بياع الخواتم) 1965 للمطربة فيروز وألحان الرحابنة، ففي المشهد الأخير يتعمد بياع الخواتم (راجح) أن يصل الضيعة في (عيد العزابي) لتقديم الخواتم هدية منه للمحتفلين بزواجهم، ويعلن خطبة ريما (فيروز) على إبنه باعتبارها آخر من تبقى من فتيات الضيعة بدون زواج.

وهناك من قدم حلاً للعزوبية والعنوسة بأن تبادر الفتاة بنفسها بعرض الزواج، وهذا ما سبق وتضمنته أيضاً بعض أغانينا ومنها هذا المقطع من أغنية لنجاح سلام:

«يا شب القلب عشقان شرفنا من شو فزعان

بعزملك كل الجيران الليلة السهرة ع حسابي».

أما شريفة فاضل فكانت الأجرأ بعرضها المباشر للزواج من المهندس:

«يا باش مهندس تعال هندِّس

في بيت ابويا وفي العزبه

ما دام انت عازب ومش متجوز

أنا زيك برضه كمان عزبه».

وأما عن تشجيع المقربين على تسهيل أمور من تأخر بهم قطار الزواج كإحدى الطرق لتسهيل ذلك فلم تغفل عنه الأغاني أيضا ومنها هذه الفزعة الغنائية لفاطمة عيد:

«ما معهوش يجيب شبكة

ولا عندهوش شقة

وعشان ما يتأهل

محتاج لكم زقَّة

اه يا عيني عالعازب».

تزوج تغسل أكثر بياضاً..

«المحبس»، هكذا تعارف الناس على تسمية خاتم الزواج وهو كناية عن (الحبس)، وتشبيه الزواج بالقفص الذهبي يشير للمعنى ذاته، وهذا تعبير عما يجول في العقل الباطن ورؤية كثيرين لفكرة الإرتباط عامة، وليس من المستغرب أن نجد هذا الموقف الرافض لهذه المشروع الإجتماعي، لا بل جاء رد العزّاب على النيران بالمثل بالتهكم اللفظي على الأزواج

وفكرة الزواج برمتها، وفي ذلك يقول بعض الخبثاء من العزّاب ساخرين: (تزوج تغسل أكثر بياضاً)، (الزواج تأديب وتهذيب وإصلاح) و(أن يفوتك قطار الزواج أفضل من أن يدوسك).

أما في الأغاني فيتباهى فريد الأطرش معبراً عن سعادته بالعيش منفرداً:

«وحداني ح اعيش كده وحداني.. ولا اقول يا غرام أبداً تاني»، وكثيرة هي الأغاني اللبنانية التي تؤيد هذا الموقف، ومنها أغنية لبنانية قديمة تبرز صلابة الموقف في رفض فكرة العيش مع شريك: (عزوبية يا عزوبية ماراح يقدروا عليي..بيني وبينك وحدة حال..أهلية بمحلية).

وبصوت فيروز وهي تتغنى بالعزوبية ومحاسنها: (محلى الوما بالوما..وما احلى العزوبية) إيلي شويري: (عزابي راح اتمشور..عزابي راح اتمخطر)، وقبلهم غنت أوديت كعدو في الأربعينيات (أبجد هوّز) من ألحان فيلمون وهبي ومن كلماتها: (ان كنك بعدك مش متجوز.. اسمع مني لا تتجوز ليش تشغل حالك..العب وحدك واقطف وردك.. مين بيعرف شو مخبالك»، ومن تونس حسيبة رشدي (العازب قلبه متهني).

ابعد عن الحب وغنِّيله..

ومن فيلم (العزَّاب الثلاثة) 1964 والذي يطرح قصة ثلاثة من الشبان يتعصبون للعزوبية ويرفضون فكرة الزواج، ولتأكيد هذا الموقف غنى عادل مأمون بالفيلم:

«إبعد عن الحب وغنيله

وان فات عليك إياك تناديله

خليك زيِّنا في حياتنا هنا

لا خدنا منه ولا مندِّيله».

لمعرفة أسباب التردد في أخذ القرار بالارتباط والنفور من الزواج يجيبنا تراثنا الغنائي عن هذه المسببات ومنها غلاء المهور والطلبات المرهقة للعريس، وهذا ما تشير إليه أغانينا العربية، ومنها على سبيل المثال صباح فخري وهو يشكو لوالدته معاناته من الوحدة:

«العزوبية طالت عليّ..قومي اخطبيلي يا ماما واحدة صبية..عروسة خاطبة ما تكونش مطالبة»، فهو يشترط هنا ولإتمام ذلك أن لا ترهقه العروس بالطلبات، الفنان والمونولوجست الكويتي محمد الويس يركز على غلاء المهور كعامل رئيسي بتأخير فكرة الإرتباط من خلال هذا المونولوج الناقد:

«رحت انا أخطبها من أبوها قال لي من قد تكون..قلت فقير وماني من اللي يملكون..اه يا راسي اه يا بطني صابني شبه الجنون..اه لا يا بويا طلقة مُقدَّم والعزوبية تهون».

صورة مثالية..

وسلطت الأغنية العربية الضوء على سبب جوهري في ازدياد نسبة العزاب من الجنسين وهي الصورة المثالية التي يرسمها كل طرف للاّخر، ومنها عندما غنى محمد جمال في السبعينيات: «بدي حبيبة بنت ستاشر (16) سنة» والعجيب أن جمال في هذه الفترة قد قارب الأربعين من العمر!، ولمحرم فؤاد شروطه المثالية أيضاً: (أنا عايز صبية يكون قليبها عليّا..ترسم لي على الطاقية..قلب ويمامة ودار)، ومن أوبريت (اللي يقدر على قلبي) لليلى مراد من فيلم (عنبر) إنتاج 1948 ترفض العرسان الذين تقدموا لها معبرة عن أسباب رفضها لهم: «كلام جميل كلام معقول.. ما اقدرش اقول حاجة عنه..لكن خيال حبيبي المجهول..مش لاقيه فيك حاجة منه!».

رزق الله يا عزوبية..

«ما أحلى الرجوع إليه»، مقطع من أغنية لنجاة الصغيرة أصبح بمثابة الحكمة التي يرددها من ينتابهم الحنين للبدايات الأولى، وهذا ما ينطبق على الأزواج الرجال ممن أرهقتهم متطلبات الزواج والخلافات الزوجية التي أوصلت بعضهم لحالة من (النكد) اليومي، وهذا ما ينطبق على ربيع الخولي عندما أعلنها صراحة من على مسارح مهرجان جرش نهاية الثمانينيات:

«راجع راجع عزابي حلوين تدق ابوابي

بلكي يبرم دولابي والجارحنا يداوينا».

وعن حالة الضجر من الزواج يصف لنا مارون نمنم ما اّلت إليه الأمور:

«ضجرنا من البيت ضجرنا

تجوزنا وتحجرنا

كنا نتأمر ع الناس صارت حرمة تأمرنا».

وعن تغير الحال (قبل وبعد) وما يثيره من حنين للعزوبية يغني فريد اسكندر:

«تجوزنا وقلنا بنرتاح ودعنا العزوبية

وحلمنا نعيش بأفراح وندمنا بعد شوية

نيالك يا عزابي ورزق الله يا عزوبية"!.

قرار..

ومن الغناء الشعبي وعندما يكون سبب هذا التحول لما تفرضه الزوجة من رقابة على الزوج:

«بدي إرجع عزابي واتخلص من عذابي

حاجي كل ما رحت وجيت بتفتشلي بجيابي».

ولا يختلف عن حال الزوج الذي أرهقته متطلبات الحياة:

«بدي طلِّق يا بيي وارجع عالعزوبية

مدخولي مية وخمسين ومصروفي أربع مية».

ومن الآخر يختزل التراث الغنائي الفلسطيني كل هذا الحنين وأسبابه:

«كنت أعزب داير مبسوط والعب بين العزابي

قاللي عقلي أتزوج واخزي عين الشيطان

قسمة ونصيب أخذت الزين حبل الزين وجاب غليم

صار يقوللي يابابا بدي حلاوة منفوشة

مديت إيدي ع الجيبة لقيت الجيبة مبخوشة!».

فقعان

ومازال الوضع الغنائي على ما هو عليه والصراع قائم بين فئتين، فئة تر أن الحرمان من الزواج قد يؤدي لـ(الفقعان) حسب وجهة نظر سميرة توفيق: (طير اخضر طير مبرقع..يا بتجوَّز..يا بفقع)، وفئة أخرى كطوني حنا ترى في العزوبية حرية لا غنى عنها: (أعزب يا أعزب أوعى تتجوز..خليك تنقَّل مثل الحسونا).

وهذا على ما يبدو يتوافق مع رأي الكاتب أنيس منصور في وصفه لحال المتزوجين من وجهة نظره:

«قبل الزواج وعدتني أن تمسح وتكنس وتكوي.. فلم تتوقف عن مسح دموعها..وكنسي من البيت..ثم كوتني بنار الغيرة !».