عمان - تالا أيوب

تشارك السفارة التركية في عمّان باحتفالات المملكة بمئوية تأسيسها هذا العام، بطريقتها الخاصة، من خلال إهدائها كتاب صور التقطت في الأردن في تسعينيات القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين، تحت اسم «نظرة لمنطقة الأردن إبان القرن التاسع عشر على ضوء مجموعة صور قصر يلدز الفوتوغرافية»، وهو يسلّط الضوء على أواصر الصداقة العريقة بين البلدين.

تشكّل مجموعة صور قصر يلدز الفوتوغرافية أرشيفا بصريا ثريا للقرن التاسع عشر، إذ تضم 36 ألفا و585 صورة جمعت في 911 ألبوما بتعليمات خاصة من السلطان عبد الحميد الثاني (1842–1918) خلال فترة حكمه التي دامت 33 عاما، وباهتمام وبتوجيهات منه شخصيا.

وتقول مديرة مركز السلطان عبد الحميد الثاني للبحوث والتطبيقات البروفيسورة عائشة ملك أوزيتغين أن المركز، التابع لجامعة يلدز التقنية، «أعد هذا الكتاب برعاية رئاسة الجمهورية التركية وبدعم من وزارة الخارجية التركية، بمناسبة إعلان سنة 2020 عام التبادل الثقافي بين تركيا والأردن». وصدر الكتاب بالتزامن مع بدء احتفال المملكة بمئوية الدولة الأردنية.

وتوضح أن هذا الكتاب يلقي نظرة على وضع الأردن إبان القرن التاسع عشر، وعلى أوضاعه الاجتماعية والسياسية والثقافية حينها بوحي من صور جمعها السلطان عبد الحميد الثاني.

وتبرز الصور نماذج لإرث الأردن الثري مثل مسرح عمّان (المدرج الروماني) وأطلال مدينة البتراء الأثرية وبحيرة لوط ما يسمى بالبحر الميت حاليا ومحطتي العقبة ومعان الواقعتين على سكة حديد الحجاز والجوامع والقلاع والجسور، وغيرها من الصروح المعمارية. وتشتمل كذلك على لقطات تصوّر حياة سكانها

وتتيح هذه المجموعة إمكانية إلقاء نظرة جديدة على تاريخ الأردن.

وتلفت الى أن السلطان عبد الحميد أولى اهتماما خاصا بـ«الشرق الأوسط»، وحظيت أراضي الأردن بالقسط الأكبر من اهتمامه الشديد، فالأردن، الذي نال استقلاله الكامل سنة 1946، يمتاز بموقعه المهم في المنطقة؛ فهو موطن العديد من الأبنية الموروثة عن الإمبراطورية العثمانية، وذو إرث تاريخي عريق يرجع الى أكثر المدن القديمة غموضا.

ويقول وزير خارجية الجمهورية التركية مولود جاويش أوجلو أن الأراضي الواقعة تحت حكم الأردن «نالت اهتماما خاصا من السلطان عبد الحميد الثاني، وكان يراها على قدر رفيع من الأهمية، كما احتلت مكانة استثنائية لدى العثمانيين، فعبرها كان يمر قسم لا يستهان به من طريق الحج (المحمل الشامي)، وعلى هذا الطريق المفضي الى الديار المقدسة، بُنيت خانات كانت تسمى قلاعا، حققت أمن الحجاج ولبت احتياجاتهم».

ويشير أوجلو، في توطئته للكتاب، إلى أنه يمكن تتبع الآثار الملموسة للماضي المشترك بين الدولتين، الممتد لنحو أربعة قرون، من خلال ألبومات الأردن ضمن المجموعة..».

إذ «نرى في تلك الصور العديد من الجوامع والجسور والقلاع والدور الحكومية والثكنات العسكرية، علاوة على المدن التاريخية، ومناطق أثرية وأديرة، وغيرها من عناصر ثقافية ذات قيمة فريدة».

ويلفت إلى أن العناصر الجغرافية والبشرية الموجودة بين ثنايا تلك الصور، فهي مصدر ثراء من نوع آخر. ويعرض لأبرز الصور: تلك الملتقطة لمحطات وقلاع سكة حديد الحجاز والقرى والبلدات التي كانت تستريح فيها القوافل على ذلك الطريق. ويؤشر إلى أن مشروع سكة حديد الحجاز قد أسهم في تعزيز الأواصر التاريخية العميقة بين اسطنبول وتلك الأراضي.

كان التصوير الفوتوغرافي يمثل الشغف الأكبر للسلطان عبد الحميد الثاني، وقد لقي في عهده عصرا ذهبيا، فقد رأى فيه مادة معرفية قيّمة وعبّر عن ذلك بقوله: «كل صورة هي فكرة، فصورة واحدة توحي بمعانٍ سياسية وحسيّة، تعجز مئة صفحة مكتوبة عن التعبير عنها. لذا فإن ما أستقيه من الصور يفوق ما أستقيه من المعلومات المكتوبة».

وتضم مجموعة صور قصر يلدز ألبومات صور فوتوغرافية لأكثر من أربعين دولة، وهي شاهد على العالم خلال القرن التاسع عشر، جاءت إجابة عن تساؤل السلطان عبد الحميد الثاني: «كيف تعيش رعيتي؟».

وسط ظروف ذلك الزمن الصعبة، التي لا تقارن بنظيرتها الراهنة، وثّق المصوّرون لحظات لا يمكن أن تتكرّر.

وتعاقب على أراضي الأردن الأنباط والرومان والفرس والعثمانيون وعديد الحضارات الأخرى، تاركين وراءهم آثارا عميقة على تلك الأرض المأهولة منذ العصر الحجري الحديث. منها البتراء، حيث عرض الأنباط فيها تصوّرهم، في هذه الدنيا عن العالم الآخر (موطن الأرواح) وفق معتقداتهم، بإظهارهم ما هو كامن في الصخور وسط الصحراء.

جرش.. إذ تظهر هذه المجموعة حالتها البكر التي دخلت في سبات عميق استمر ألف عام.

قلعة الكرك.. دائما ما يكتنف الغموض قصص القلاع.. وبخاصة حين تكون شاهدة على ردح طويل من الزمن.. كل حجر في جدران قلعة الكرك يطوي داخله قصة. يوما ما قد تبوح هذه القصص الغامضة بمكنوناتها لمن يفهمونها..

بحيرة لوط (البحر الميت).. القاسم المشترك لصور البحيرة ضمن المجموعة، هو حال الترقب الظاهرة على وجوه الناس فيها، إذ يبدون وكأنهم يترقبون خطبا ما رغم علمهم أنه لن يحدث.. ترقب يستمر الى الأبد.. عله صوت آتٍ من بعيد، أو ربما وميض ضوء، أو إشارة مجهولة تماما..

لا بد أن طلسم بحيرة لوط كامن في هذا «الترقب»..

الخط الحديدي.. تبدأ سكة حديد الحجاز من المحطة الرئيسة في دمشق لتدخل بعد 160 كيلومترا الأراضي الأردنية. لهذا الخط في جزئه الممتد 400 كيلومتر داخل الأردن العديد من المحطات الفرعية. أولى محطاته في الأردن هي المفرق، تليها (الخربة) السمرا والزرقاء وعمان والقصير واللبّن والجيزة والبلقاء وخان الزبيب وسواقة والقطرانة، ومنزل، والحسا، والجرف (جرف الدراويش)، وعنيزة ومعان والمدورة. وبعد محطة المدورة يدخل القطار الحجاز (الأراضي السعودية).

ولما تتمتع به من موقع استراتيجي، جُعِلت عمان ومعان والمدورة محطات رئيسة، وبُني 462 جسرا لتشييد سكة حديد الحجاز، و271 قناة مائية، و799 منفذا، و1460 كيلومترا من السكة الحديد.