في وقت بدت العلاقات الأميركية الروسية وكأنها تتجه الى ازمة متدحرجة, بعد التصريحات الساخنة التي اطلقها الناطقون باسم البلدين, وبخاصة ما جاء على لسان انتوني بلينكن، وزير الخارجية الاميركي عندما قال: إن أميركا ستواصل تدريب الجيش الاوكراني, وتزويده بأسلحة فتاكة. في الوقت الذي يُحاول فيه صد القوات الروسية في شرق البلاد، كذلك معارضة استكمال خط الغاز «نورد ستريم2» الألماني/الروسي, وذهاب جين ساكي، مُتحدثة البيت الابيض بعيدا باتهامها روسيا القيام «بأعمال مُتهورة وعدائية واستخدام أسلحة كيماوية «ضد نافالني».

في مشهد قاتم كهذا مشبع بتصريحات اميركية استفزازية, ردّت موسكو بكلمات ومصطلحات نادرا ما تم الادلاء بها في عهد ترمب, ما اضفى التشاؤم على اي امكانية لرأب الصدع في علاقات البلدين, بخاصة ما تركته إدارة أوباما/بايدن..من إرث ثقيل على هذه العلاقات المتوترة, منذ استعاد بوتين دور موسكو الدولي وتعاظم دورها في القضايا الاقليمية, وهو ما قاومته واشنطن بضراوة خاصة خلال حقبة اوباما, حيث الاخير واصل التقليل من شأنها ولم يتردّد في وصفها بـ«دولة من العالم الثالث» وانها «لا تُقدم شيئاً للعالم سوى النفط والسلاح». وغيرها من الت?ريحات والمواقف الاستعلائية والعِدائية. كما واصل «الديمقراطيون» سياسة اول رئيس أسود لأميركا باختراعهم حكاية التدخل الروسي في الانتخابات الاميركية التي اوصلت ترمب إلى البيت الأبيض.

في خضم ذلك كله.. جاءت تصريحات بايدن الاخيرة, التي طغت عليها لغة الاعتدال (الظاهري على الاقل), بأعلان إستعداده لمناقشة القضايا «الاشكالية» مع الجانب الروسي, من منطلق المصلحة المتبادلة. خصوصا في مسألة الحد من الاسلحة الهجومية الاستراتيجية (تمديد معاهدة ستارت 3) مضيفاً «وأن نُوضح لموسكو اننا قلقون للغاية بشأن السلوك مع نافالني, والتقارير عن منح مكافآت مقابل رؤوس الأميركيين في افغانستان».

واذ نفت موسكو مراراً مسألة دفعها مكافآت كهذه, فضلا عن تفنيدها حكاية تسميم نافالني، فان ما لفت اليه الكرملين بشأن «الخرائط» التي اصدرتها السفارة الاميركية في موسكو حول اماكن تجمعات المتظاهرين الاحد الماضي, عكست مدى الخطورة التي ينظر اليها الكرملين في شأن ما رآه تدخلاً أميركياً في الشأن الداخلي الروسي, والذي كشفته تصريحات بيسكوف مُتحدّث الكرملين بقوله: «روسيا مستعدة لاظهار مرونة في التعامل مع أميركا، لكن ليس إلى الأبد، ولكن - أضاف بغضب - ومن دون وقاحة أو تجاوز للخطوط الحُمر».

التراشق الكلامي هذا مرشح لدخول مرحلة أخرى من الاتهامات المتبادلة وزيادة الضربات تحت الحزام، خاصة ان هناك «كم» غير بسيط من الملفات الخلافية التي قد تضع موسكو في مرتبة «العِداء» الأميركي للصين اذا ما اخذنا ايضا مديح بلينكن اللافت لسياسة ادارة ترمب تجاه الصين عندما قال إنها كانت على صواب في اتخاذ نهج اكثر صرامة تجاه بيجين..

الطريق بين موسكو وواشنطن لا تبدو سالكة, ودونها عقبات واستفزازات ومصالح متضاربة وادوار متناقضة. لكن إمكانية «تعايشهما» لا تبدو مستحيلة, في ظل مشاكلهما الداخلية وبخاصة ما ستُعلنه واشنطن من مواقف الأحد الوشيك, إذا ما تجدّدت مُظاهرات... أنصار نافالني.

kharroub@jpf.com.jo