د.عامر أبو جبلة

إن خبرة سليمان الموسى الثقافية وقربه من مؤسسات الدولة الرسمية والثقافية، جعلته يتحصل على الكثير من الوثائق التي أتيحت له، ولذلك نلاحظ وبشكل جلي أن كتبه حول تاريخ الأردن الحديث والمعاصر، كانت توثيقاً لهذا التاريخ ابتداءً من الثورة العربية الكبرى، مروراً بعهد الإمارة الأردنية، ثم عهد المملكة الحديثة، بالاستناد إلى الوثائق، فقد جمع في مؤلفاته كماً هائلاً من نصوص الوثائق والمراسلات وكل ما من شأنه توضيح حركة التاريخ الأردني في القرن العشرين، فضلاً عن أنه بذلك قد وضع بين أيدي الباحثين في تاريخ الأردن وثائق أصيلة?تفضي إلى كتابة تاريخ موضوعي لمسيرة الأردن خلال القرن الماضي.

كما أن الموسى استند إلى المؤلفات المعاصرة له، من كتب ومذكرات ومقالات وبرقيات، فقد أحاط بمصادر تاريخ الأردن الحديث والمعاصر ولعله من أكثر الباحثين إحاطة بذلك، فجاءت كتاباته ذات مصداقية لا يستغني عنها الباحثون في تاريخ الأردن الحديث والمعاصر، بل إن بعض كتبه تم ترجمتها للغات أجنبية.

وزود الموسى كتبه حول تاريخ الأردن الحديث والمعاصر بالصور الضرورية لتوثيق ما يكتب، فضلاً عن الملاحق التفصيلية والتي ترقى إلى الوثائقيات، كما أنه يذكر في نهاية كتبه تلك المراجع التي استند إليها.

وتقسم منهجية الموسى في كتابة تاريخ الأردن وفق مؤلفاته إلى أربع مجموعات: كتب حول تاريخ الأردن الحديث والمعاصر، وكتب الأعلام والشخصيات الأردنية، والكتب المترجمة حول الأردن، والكتب النقدية.

منهجه في كتبه عن الأعلام والشخصيات وفي المذكرات

اعتمد سليمان موسى في كتبه حول الأعلام والشخصيات والمذكرات الأردنية، منهجاً يستند إلى المعلومة المسندة إلى أصحابها، بأسلوب سلس وسهل، معتمداً كذلك أحياناً على المقابلة الشخصية لمزيد من التوثيق، فضلاً عن أنه يوضح الكثير من الإشكاليات في الهامش، بشكل يمنح القارئ مزيداً من الإيضاح والفهم، مع أنه أحياناً ينحى في كتبه حول الأعلام والشخصيات والمذكرات الأردنية منحى أدبياً، ولكن هذه الكتب ركزت في ما ركزت عليه على شخصيات لها دور في تاريخ الأردن الحديث والمعاصر، ومنها على سبيل المثال: ناصر بن علي، عودة أبو تايه، راضي ?ناب، علي الحارثي، فؤاد سليم، مولود مخلص، محمد علي العجلوني، هزاع المجالي، سليمان النابلسي، وصفي التل، ويعقوب العودات (البدوي الملثم). وهذا يعد جانباً إضافياً لمنهج سليمان موسى في كتابة تاريخ الأردن الحديث والمعاصر من حيث أن هناك شخصيات كان لها دور في صناعة الأحداث في تاريخ الأردن في القرن العشرين، فألقى الضوء عليها، وقدم لنا معلومات تفرد بها حول تلك الشخصيات ذات الأهمية في تاريخ الأردن.

منهجه في الكتب المترجمة

ترجم سليمان موسى عدداً من المؤلفات حول الأردن إلى اللغة العربية مثل: «آثار الأردن» (لانكستر هاردنج)، و»رحلات في الأردن وفلسطين» (كلود كوندر)، و«في ربوع الأردن.. مشاهدات الرحالة 1875-1905» و»غربيون في بلاد العرب».

وتميز منهج الموسى في هذه الكتب بالترجمة السليمة، وذلك لإتقانه اللغة الإنجليزية، وبأسلوب تميز بالتشويق لكونه يتكلم عن الآثار أو مشاهدات الرحالة الأجانب أو الشخصيات الأجنبية التي زارت الأردن، فيسهب في نقل انطباعاتهم عن مشاهداتهم للأردن آثاراً وسكاناً وبيئة جميلة.

كما أن الموسى ترجم هذه الكتب عن الأردن، لأنه وجد فيها مادة علمية وتوثيقية حول آثار الأردن، كما جاء في كتاب «آثار الأردن»، فقال سليمان موسى: «حرَصتُ على وضع بعض الملاحظات الضرورية على هوامش الصفحات من أجل فائدة المواطن العربي، وخدمة للحقيقة والعلم»، فكان هذا منهجه في الكتب المترجمة عن الأردن.

ولكن من الملاحظ أنه كان أحياناً يبدي رأيه ووجهة نظره في كثير مما يترجم لهم، موضحاً رأيه بالاستناد إلى المعطيات الأردنية وخدمة المصلحة الوطنية (انظر كتاب «نوافذ غربية»، ص20 وص26).

منهجه في كتبه النقدية

برز ذلك في كتاب «الوجه الآخر: كتّاب ومؤرخون في كل واد يهيمون». إن عنوان هذا الكتاب ينبئ عن نظرة سليمان الموسى للكتّاب والمؤرخين الذين يرى أنهم ربما حادوا عن المنهج الصحيح لكتابة التاريخ، ونستشعر من ذلك أنه يرى أن الموضوعية والصدق والأمانة ضرورة من ضرورات المنهج في الكتابة والتأليف والتصنيف، فقد تشكلت لديه نظرة واضحة لكتابة التاريخ، وذلك من خلال عقود من التعامل مع الكلمة والوثيقة والنص والمقابلة وكل ما من شأنه خدمة كتابة تاريخ الأردن، فكان سليمان الموسى من أبرز المؤرخين في تاريخ الأردن الحديث والمعاصر، كمَّ?ً وفهماً وتحليلاً وتوثيقاً.

وأخيراً، أقتبس نصاً من مقدمته لكتاب «صور من البطولة» يوضح فيه وطنيته وانتماءه وعروبته ومنهجه، إذ يقول مخاطباً شباب الأردن: «لقد قاتل آباؤكم وأجدادكم وجاهدوا ما وسعهم القتال والجهاد، وضحوا تضحيات حقيقية في سبيل بلادهم، فلا يستهن أحد بما قدموه، ولا يسمحنّ للدعايات الباطلة أن تحول بينه وبين الرؤية الصحيحة والمحاكمة العقلية الرصينة، لقد وضع أولئك الأجداد والآباء اللبنات الأولى في مدماك النهضة الوطنية الحديثة، وعلى جيلنا وجيل أبنائنا أن يواصل عملية البناء بأسلحة العلم والعمل والشرف والتضحية».

يذكر ان سليمان الموسى ولد في قرية الرفيد شمال إربد في عام 1920، وتلقى علومه الأولى في كُتَاب القرية ومدرستها، ثم التحق بمدرسة الحصن. ثم عمل في التدريس. ويذكر أنه ذهب إلى فلسطين وعمل في حيفا ويافا، ثم عاد إلى المفرق واشتغل في شركة بترول العراق، ثم التحق في عام 1957 بالخدمة في إذاعة المملكة الأردنية الهاشمية، ثم انتقل بعدها إلى دائرة المطبوعات والنشر، ثم عمل مستشاراً ثقافياً في وزارة الإعلام، ثم في وزارة الثقافة والشباب (1966-1984)، وأخيراً مستشاراً ثقافياً لأمين عمان حتى عام 1988.

ترأس الموسى تحرير عدة مجلّات مثل «رسالة الأردن» و«أفكار». وحصل على أوسمة ملكية رفيعة وجرى تكريمه من جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين.

كانت أولى مؤلفات الموسى سيرة حياة الشريف حسين بن علي. ويبدو أن أولى طبعات هذا الكتاب صدرت في عام 1957، ما يشير إلى أن الموسى كان مهتماً منذ البدايات بتاريخ الأردن. وكانت وفاة هذا المؤرخ في 8 حزيران 2008.

(أستاذ التاريخ في جامعة مؤتة)