عاد داعش يضرب ذات اليمين وذات الشمال في قوة وتخطيط وأهداف منتقاة بعناية, على نحو يصعب على صاحب بصيرة الاعتقاد بأن كل ذلك يحدث صدفة وفي توقيت كهذا, يكاد أن يُوصَف بأنه مرحلة انتقالية دقيقة وخطيرة تعبرها المنطقة دولها والشعوب, بين عهدين أميركيّيْن يبدوان للسذج وكأنهما على طرفي نقيض, فيما هما نِتاج حقبة مُتدحرِجة عبرتها الولايات المتحدة الأميركية منذ بداية الألفية وتدشين (مبدأ) بوش الإبن, القائم على شن الحرب الاستباقية ونشر الديمقراطية والقيم الأميركية، والتي استغلت دائما أحداث الحادي عشر من ايلول 2001 لتطبيق نظرية «نحاربهم في بلادهم حتى لا يأتون إلينا هنا",.. والباقي بات تفصيلاً تاريخياً لا يتأثر بالاستثناءات العابرة التي افرزت الظاهرة الترامبية, وتكريس نظرية تفوّق الرجل الأبيض وخصوصاً شعار «أميركا أولاً» الذي يعني من بين أمور أخرى وبعد «أميركا أولاً» والأمن القومي الأميركي.. «الطوفان»... حتى لو شمل العالم أجمع.

ما علينا..

داعش عاد بل أعيد.. ويبدو أن «أمر العمليات» أصدرته له أكثر من عاصمة دولية وخصوصاً إقليمية, فالمرحلة الانتقالية المتّسِمة بالإضطراب والإحتمالات المفتوحة تقضي خلط الأوراق وإطلاق بالونات الإختبار وتحسين شروط التفاوض, بانتظار ردود الأفعال وتجلّياتها على الأرض, وخصوصاً ما قد يطرأ على مُعادلات التحالفات وموازين القوى الجديدة الآخذة بالتبلّور والبروز, بعد التطورات الدراماتيكية التي حدثت في المنطقة العربية خصوصاً خريف العام الماضي وأوائل صيفه القائظ. فضلاً عما إحدثته جائحة كورونا من تغيير في الأولويات وانكشاف مريع وخطير في إمكانات دول إقليمية «كبرى» وخصوصاً دولية, ذات اقتصادات قوية ولكن بأجهزة صحية هشّة ومتداعية, ما أسفر عن خسائر هائلة في الأرواح والأصول بإنعكاساتها الخطيرة على المشهدين الاجتماعي والاقتصادي سواء بسواء.

عودة الى داعش..

من السذاجة الاعتقاد أن هذه العودة الدامية والقوية لداعش, ناتجة فقط عن مُجرّد نجاحه في إعادة تنظيم صفوفه واعتماده المبدأ الشهير في حرب العصابات, وهو تشكيل خلايا مُنفردة, بمعنى مستقلة بذاتها وصاحبة القرار الوحيدة في تنفيذ العمليات على طريقة أضرب واهرب. ما يُشكل بالتالي استنزافاً للقوى/الجيوش المستهدفة, كما حدث مثلاً في العمليتين الأكثر خطورة ودموية منذ عودة التنظيم ونقصد ما شهدته «ساحة الطيران» في بغداد من عمليتين انتحاريتين متزامِنتين, فضلاً عن الاستهداف المستمر لقوافل وطرق مُواصلات الجيش السوري في حمص ودير الزور والحدود العراقية.

ما يستدعي التساؤل عمَّا يُقدّم لخلايا داعش من تسليح ومعلومات استخبارية وخصوصاً دعماً لوجستياً, تجعله قادراً على تنفيذ كل تلك «الكمائن» وايقاع المزيد من الخسائر في الأرواح في صفوف الجهات والكتائب المستهدفة ناهيك عن قتل وترويع المدنيين.

يستلزم الأمر العودة إلى تصريحات العسكريين الأميركيين, الذين اعلنوا بتبجّح قبل عامين (آذار2019) عن هزيمة داعش بعد معركة «الباعوز» الشهيرة, لكنهم واصلوا القول: انهم «لن يخرجوا من العراق (وسوريا) إلاّ بعد الهزيمة النهائية لهذا التنظيم الذي لم يُهزم نهائياً».

نحسب ان في ذلك تلخيص «وإن مُبكِّراً» لما يحدث الآن وسيحدث لاحقاً والأيام...ستروي.

kharroub@jpf.com.jo