عمان - أحمد الطراونة

في سياق احتفال الأردنيين بمرور مئة عام على تأسيس أولى البنى الإدارية والسياسية والثقافية في مشروع دولتهم الحديثة، تحتفي الرأي برموز الإبداع والوعي الذين أضاءوا بقناديلهم دروب المسيرة، وأسهموا بنتاجاتهم في صياغة الوجدان، ودوّنوا بإبداعهم على صفحة هذا الوطن سيرته وسرديته.

وتقدم هذه الزاوية على مدار العام تعريفا بشخصيات إبداعية تركت منجزاتها بصمات واضحة في التاريخ الحديث.


قافلة عتيقة لم تُنْسَ، حادي عيسها بدوي ملثّم، سلاحه القلم، رصد الواقع وسجّل ذاكرة العارفين والمبدعين من خلال تراجمه وسيره التي أضحت مرجعا في الفكر والأدب وأعلامه.

اختفى يعقوب العودات الذي وُلد في الكرك عام 1910 خلف لثام البدوي، فكتب مقالات أدبية وفكرية ما تزال جذرا حقيقيا للمعرفة، ولعب دوراً مميزاً في الأدب العربي المعاصر، فوثق وألّف أكثر من عشرين كتاباً في التراجم والسير والنقد والتاريخ الثقافي.

لم يقف صاحب «القافلة المنسية» الصادر في عام 1940 عند التأليف والتوثيق، وإنما حمل رسالة التعليم، فالعودات الذي فقدَ والده مبكرا فقدَ أيضا فرصة إتمام تعليمه بسبب الظروف التي عاشها مبكرا في حياته، فانقطع عن الدراسة وهو في الثانية عشرة من عمره ليتحمل مسؤولية إعالة العائلة، لكن ذلك لم يُلْغِ أمله في الدراسة ومتابعة التعلّم، فعاد بعد فترة وجيزة ليواصل تعليمه وممارسة نشاطه التجاري من خلال بقالة صغيرة في مدينته.

تلقّى يعقوب تعليمه الأول في مدرسة الروم الأرثوذكس، وفي مدرسة المعارف، وانتقل لإتمام دراسته الثانوية في مدرسة إربد الثانوية فتخرج فيها عام 1931، ولم يستطع إكمال حلمه بدراسة القانون في جامعة دمشق بسبب صعوبة الأحوال المادية، فعمل مدرساً للأدب العربي والتاريخ في إدارة المعارف في عمان، ثم انتقل للتدريس في جرش والرمثا لست سنوات، ثم عمل سكرتيراً لمجلس الوزراء، وسكرتيراً معاراً للمجلس التشريعي، ثم انتقل إلى القدس ليعمل مترجما في حكومة عموم فلسطين، ثم عاد إلى عمان موظفا في وزارة المالية.

العودات الذي كان يفخر بنسبه العربي الأصيل لم يكن يعترف بالحدود بين العرب، فبنى صداقات مع أدباء على مساحة الجغرافيا العربية، ونشر مقالاته منذ عام 1926 في المجلات الأدبية العربية كـ«الأديب» البيروتية و«الرسالة» و«الهلال» و«المقتطف» المصرية، واستخدم أسماء مستعارة لتوقيع مقالاته، منها: «أبو بارود» و«حماد البدوي» و «أبو نظارات» و «نواف» و«فتى مؤاب» و«فتى البادية»، وأخيراً استقر على لقب «البدوي الملثم» الذي اشتهر به..

قرر البدوي الملثم أن يذهب بعيدا ليصطاد فرائده الإبداعية ويتتبع خطى المبدعين من المهاجرين والرواد الأوائل في أميركا اللاتينية، فرحل في عام 1950 في رحلة استغرقت ثلاثين شهرا ليعود بعدها بعمل وجهد بحثي أصبح مرجعا، كان عنوانه: «الناطقون بالضاد في أميركا الجنوبية» الذي لم يكتفِ فيه برصد كتابات الأعلام من الكتّاب والسياسيين وسيرهم فحسب، إنما درس هجرات العرب إلى تلك البلاد أيضا.

استند يعقوب للمراجع، واستمع للمثقفين، وطاف بالبلاد، فكان رائدا ومؤسسا ومشتبكا بكل قوة مع اللحظة الراهنة، وقارئا حذقا للمستقبل، ومنصفا لكل من أعاد نسج حياتهم على الورق، وقدم رحيق فكرهم وآرائهم من خلال كتاباته.

ورغم أهمية ما كتبه عن «عرار»، ورسمه لملامح ذلك المتمرد الذي لا تفارق صورته وعي الذاكرة الشعبية، إلا أن موسوعة «من أعلام الفكر والأدب في فلسطين» كانت وما زالت من أهم المؤلفات التي تبرز سعة اطلاع العودات على الواقع الفلسطيني وقدرته على قراءته بشكل لافت مرتكزا على العلاقات التي كانت تجمعه بأهم أعلام فلسطين في تلك الفترة.

ومن أبرز أعمال العودات ما التي طُبع معظمها على نفقته الشخصية: «إسلام نابليون» (1937). «القافلة المنسية» (1940)، «الناطقون بالضاد في أميركا الشمالية» (مترجم عن الإنجليزية، 1946)، «أصراع أم تعاون في فلسطين؟» (مترجم عن الإنجليزية، 1947)، «شاعر الطيارة فوزي المعلوف» (1948)، «ديك الجن الحمصي» (1948)، «الناطقون بالضاد في أميركا الجنوبية» (جـ2، 1956)،. «الغواني في شعر إبراهيم طوقان» (1957)، «عرس ومأتم» (1959)، «عرار شاعر الأردن» (1958)، «الوطن في شعر إبراهيم طوقان» (1960)، «البستاني وإلياذة هوميروس» (1963).

ويؤكد العودات من خلال أعماله أنه مثقف مختلف في قراءته للأشياء، وهو يصوّر الحياة في إحدى رسائله لولده خالد قائلاً: «يعزو أكثر الناس سوء حظهم إلى قسوة الدهر وتجهّم الأيام في وجوههم، ولكني أخالفهم في ما ذهبوا إليه، إذ لو أنهم جدّوا في أعمالهم، لحققوا الغاية وركزوا الراية. ولنأخذ الفراشة والنملة مثلاً لنجد الفرق بينهما واسعاً، فالأولى جهدها مشتت، والثانية جهدها مركّز! والأديب الأصيل عبد الله بن المقفع نصحنا بقوله: إذا تراكمت عليك الأعمال فلا تلتمس الروح في مدافعتها بالزوغان منها، فإنه لا راحة لك إلا في إصدارها. وإن الصبر عليها يخففها عنك، والضجر منها يراكمها عليك».

ترك يعقوب العودات بصمة واضحة في عالم الفكر والأدب قبل أن يوافيه الأجل في عمّان في أيلول 1971 قبل طباعة موسوعته «من أعلام الفكر والأدب في فلسطين»، فاجتمع أصدقاؤه وطبعوها بعد وفاته تكريما لذكراه.