يحتدم الجدل المحمول على توتّر متصاعد في العلاقات الجزائرية الفرنسية, بعد إعلان الرئيس الفرنسي ماكرون رفضه «الإعتذار» عن جرائم الإستعمار الفرنسي ضد الجزائر وشعبها, الذي استمر «132» عاماً (1830/1962) وبخاصة بعد تقديم المؤرخ الفرنسي بنيامين ستورا تقريراً كان كلّفه ماكرون به حول «الإستعمار وحرب الجزائر», الذي أوصى فيه بعدم الاعتراف بارتكابات المُستعمِرين الفرنسيين, وتمسّك أحفادهم حتى الآن بعدم الإعتذار للجزائريين عمّا قارفوه بحق آبائهم وأجدادهم طوال قرن وثلث من السنين, إذا قال ذات يوم الرئيس الأسبق ساركوزي في غطرسة واستعلاء: إن «الأحفاد لا يعتذِرون عمّا فعله الأجداد».

ماكرون يعيد انتاج مقولة ساركوزي ولكن بنسخة أسوأ, خصوصاً أنه عندما زار الجزائر قبل انتخابِه قام بوصف الاستعمار «بأنه جريمة ضد الإنسانية», ما أشاع أجواء إيجابية بأن هذا «الشاب» إذا ما وصل الى قصر الاليزيه, فإنه سيعمل على طيّ هذه الصفحة المُؤلمة والسوداء, التي تُشكِّل عقبة كأداء في وجه «تطبيع» العلاقات بين البلدين.

ها هو تنكّر الآن لوعوده وتصريحاته كما فعل ويفعل كل المستعمِرين.. قديمهم والحديث, ولم يتردّد هو ومَن سبَقه من رؤساء, في التنكّر حتى لـ«الخوَنة» الموصوفون بـ«الحِركيّين» من الجزائريين الذين حملوا السلاح الى جانب المُستعمِر الفرنسي, في مُواجهة إخوانهم في جبهة التحرير الجزائرية, الذين قادوا حرب التحرير الباسلة لدحر الإستعمار وتحرير البلاد.

ومع اقتراب الذكرى «الستين» لتحرير الجزائر، تزداد نقمة الجزائريين إزاء الصلَف الذي يبديه أحفاد المُستعمِرين, في الوقت ذاته الذي يواصلون فيه الدعوة وبإلحاح لتطبيع العلاقات بين البلدين, والزعم بـ«خصوصيتها» وغيرها من المصطلحات التي يُتقنون صكّها, في محاولات لا تنتهي لدفع الجزائريين الى نسيان الماضي وفتح صفحة جديدة, فيما هم لا يتورّعون عن ممارسة أبشع أنواع العنصرية والتمييز حدود الازدراء لمُعتقدات الآخرين وثقافتهم, كما حدث في تصريحات ماكرون العنصرية ضد «عموم» المسلمين, استغلالاً لأحداث وارتكابات إرهابية مُدانة قارفها مُتأسلمون ومتطرفون, فتم الجَمْع بينهم و«كل» المسلمين, حدّ إجبار مُمثليهم على تبنّي ما سمّي «شرعة المبادئ» حول الإسلام في فرنسا, التي جاءت ضمن محاولات «جمهورية ماكرون» إحداث توافُق بين الشريعة الإسلامية وقِيّم الجمهورية, التي تنُصّ من بين أمور أخرى, على رفض توظيف الإسلام لغايات سياسية، فيما يتم صرف النظر عمّا تفعله المؤسسات والروابط اليهودية من تسييس للدين اليهودي, عندما يتم تجريم نقد الصهيونية أو نقد ارتكابات الدولة الفاشية العنصرية في تل أبيب, باعتباره معاداة للسامية.

ما يثير السخرية أن الرئاسة الفرنسية أعلنت الأسبوع الماضي أنها: «لن تُعبِّر عن أي ندم أو اعتذارات بخصوص جرائم الإستعمار الفرنسي». لكنها.. ستكتفي بخطوات «رمزية» لمعالجة ملّف استعمار وحرب الجزائر.

ورغم ذلك.. يُواصلون الرطانة حول القانون الدولي وحقوق الإنسان وعدم سقوط جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.. بالتقادم. لكنهم لا يعتذرون عن جرائمهم وارتكاباتهم ليس فقط لغطرستهم واستعلائهم, وإنما أيضا لعدم دفع «التعويضات» على ما نهبوه من ثروات وموارد. والأنكى انك تجد بين ظهرانينا من يدعو.. للنسيان والغفران.

kharroub@jpf.com.jo