حتى اليوم لم تتضح بعد الدوافع وراء إصرار الرئيس محمود عباس على اجراء الانتخابات التشريعية عام 2006، ففي ذلك الوقت أدار ظهره لكل النصائح التي وصلته من دول عربية وغربية، وخلاصتها بأن الوقت غير مناسب لاجراء الانتخابات، وأن اجراءها سيكفل لـ«حماس» الفوز بأغلبية في المجلس التشريعي وبالتالي السيطرة على صناعة القرار ودخول النظام السياسي الغض في حال من التصادم الداخلي المكلف وهو ما حصل لاحقاً عام 2007 وانتهى بسيطرة «حماس» على قطاع غزة وبقاء «الضفة» تحت سلطة الرئيس أبو مازن وفرض منذ ذلك التاريخ انقساماً فلسطينياً مازال عصياً على الالتئام.

منذ عام 2009 تجاهل الرئيس الفلسطيني محمود عباس تجديد «الشرعية» للنظام السياسي الفلسطيني وتحديداً شرعيته هو كرئيس منتخب للشعب الفلسطيني، واستمر يحكم بدونها تحت مبرر أن الظروف غير مواتية، ولسنوات طويلة أيضاً تغاضى العالم عن ذلك تحت ضغط ما كان يسمى «الإرهاب» ولوجود قناعة لدى العالم بأن النظام الفلسطيني يقاوم الإرهاب وأنه نجح في السيطرة عليه، وأن الوقت غير مناسب لخلق مزيد من الأزمات الداخلية الفلسطينية والتي ستنعكس سلباً على الوضع داخل كيان الاحتلال والإقليم وتخدم ما سمي بالإرهاب الدولي.

قبل ستة أشهر وصلت للرئيس عباس رسالة من الاتحاد الأوروبي عبر المستشارة الألمانية السابقة ميركل مفادها (عليك أن تجدد شرعيتك وشرعية نظامك وإلا فإن أوروبا لن تقدم لك المساعدات)، وقتذاك تجاهل عباس أيضاً نصيحة ميركل وقيل له من بعض المقربين له (من يقول لا لترمب يستطيع القول لا لأوروبا)، واليوم وحسب ما علمت من شخصيات نافذة في السلطة الفلسطينية فإن الرئيس عباس ومع مجيء إدارة بايدن بات أكثر ميلاً لاجراء تجديد لشرعية النظام السياسي الفلسطيني عبر صناديق الاقتراع لكي لا يبدو في نظر الإدارة الجديدة بأنه معرقل للديمقراطية، خصوصاً وأن هذه الإدارة التي هي امتداد لإدارة أوباما أكثر ميلاً للإخوان المسلمين ومنهم «حماس» بطبيعة الحال إلا أنه في مقابل ذلك استمع لنصائح واضحة من أطراف عربية مؤثرة في الشأن الفلسطيني مفادها ضرورة إنجاز مصالحة فتحاوية شاملة تنهي تشرذم الحركة وتجعلها نداً قوياً أمام حماس ولا تعيد «خطيئة» انتخابات 2006 التي مازالت القضية الفلسطينية برمتها تدفع ثمنها بانقسام وطني قاتل بين غزة والضفة وبين فتح وحماس.

النصائح التي وصلت أخيراً للرئيس عباس تفيد بأنه سيرتكب خطأ مماثلاً لخطأ عام 2006 إذا ما أقدم على اجراء الانتخابات في هذا الوقت الذي تعيش فيه حركة فتح أوضاعاً صعبة وتفسخاً غير مسبوق، وبالتالي فان الانتخابات القادمة ستضمن له وهو رجل في الثالثة والثمانين من عمره منصب الرئاسة ولكنها ستنتج انهياراً لفتح وقوة إضافية لـ«حماس».

Rajatalab5@gmail.com