فقد العرب شخصية استثنائية بكل ما تحمل الكلمة من معان إيجابية، فالرجل وكما عرفته إبان عملنا معاً في مجموعة السلام العربي، وزياراته المتكررة إلى عمان كرئيس لمنتدى الوسطية العالمي وزياراته للجمعية الأردنية للعلوم والثقافة، شخصية تميزت بسمات خاصة حيث قدم فكراً حيوياً حداثياً واقعياً، يحمل إجابات على أكثر المسائل وعورة في الفكر العربي المعاصر.

وهنا استعرض بعض تلك المفاهيم التي نتفق عليها باعتبارها المخرج لأزمة العقل العربي الراهن:

«1»

فالإمام المهدي يعي تماماً ذلك الرابط العضوي بين العروبة والإسلام، ويحمل رأياً مخالفاً تماماً للقوميين الانعزاليين الذين يسعون إلى إبرام طلاق نهائي مع تراثنا العربي الإسلامي، كما أنه يعارض وبشدة التيارات الإسلامية التي تمارس الانعزالية أيضاً بإنكارها للعروبة واعتبارها ضد الإسلام..!

فالإسلام والعروبة كما نفهمها ويفهمها الإمام، إنما هي حالة تماه حضاري متكامل فالعروبة وعاء مادي، كأمة مكتملة التكوين والإسلام وعاء معنوي، ونسغ يمثل روح الأمة العربية..

وما يؤكد هذه الحقيقة أن مفكري العروبة من العرب المسيحيين، إنما يتفقون بأن المسيحية بالنسبة لهم هي دين، لكنهم ينتمون إلى الحضارة والثقافة العربية الإسلامية..

«2»

الإمام الصادق، يعي ذلك الرابط الذي لا ينفصم بين الدولة الوطنية من جهة وبين تطلعات العرب في كل أقطارهم نحو الوئام والانفتاح والتكامل.

الأمة العربية تكاد تكون الأمة الوحيدة التي تملك كل مقومات الوحدة، والتي لم تستطع حتى الآن إقامة «دولة الأمة». وبالتالي فإن اهتمامه في القضايا العربية وإيمانه بوحدة المصير العربي، كانت هاجساً وأولوية عبر عنها، بوجوده النشط في كل الإطارات التي من شأنها خلق التقارب بين العرب، والسعي إلى حل خلافاتهم البينية منها أو الخلافات داخل البلد الواحد.

وما نشاطه في مجموعة السلام العربي وحرصه على تطوير أعمالها إلا استناداً إلى هذا الفهم الذي لا يميز بين مصالح السودان والمصالح العربية.

«3»

الإمام الصادق رحمه الله كان رمزاً من رموز الفكر الحداثي المتقدم، الذي يعي أهمية التواصل بين كل المراحل التراثية المشرقة في تاريخنا وواقعنا الراهن. فالأصالة جذر الأمة، كما أن المعاصرة مطلب مُلح وضروري، يتطلب منا تنشيط الاجتهاد وتجديد الخطاب الديني الذي يسعى البعض لحشره في ظلمات التاريخ.

وأجزم أن الأمة وإن أرادت أن تتطور فعلياً عليها احياء مفهوم الاجتهاد، باعتباره سبيلنا إلى الإجابة على الاسئلة المعاصرة المتعلقة بنهوض الأمة وتمكينها من مواكبة العصر والدخول إلى المستقبل، بفكر حر نشط، قادر على إخراجنا من حال السكون إلى عالم المواكبة.

أوليس الاجتهاد من أقوى المرجعيات بعد القرآن الكريم والحديث الشريف «المؤكد» والإجماع.

«4»

أما المذاهب، فإن الإمام يتعامل معها على أساس أنها حالة من التعددية داخل الإطار الإسلامي الواحد.

التحدي أن نحول التعددية إلى تنوع إيجابي، كردِ على ما يجري اليوم من مفاهيم عقيمة حولت المذاهب إلى حالة من الاختلاف والتناحر حدْ المواجهات المسلحة.

رحم الله الإمام الصادق المهدي فقد كان مدرسة فكرية رائدة مجسدة بعقل رجل.

وما أحوجنا اليوم إلى هذه المفاهيم، كبديل لحالة الانكفاء والانعزال التي يعيشها العرب داخل قواقعهم القطرية وانقساماتهم الدينية والمذهبية والطائفية، التي لن تأتي علينا إلا بالتخلف والدمار والحروب العبثية، والتي نعيش اليوم في ظلالها القاتمة.

والله ومصلحة العرب من وراء القصد..