وجوب وجود الأردن كدولة رسالة كان حتمية تاريخية فرضتها ظروف ما أطلق عليه الرجل المريض أي في وصف الدولة العثمانية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى، وكانت الدولة العثمانية في بعدها السياسي تترنح أمام انبعاث القوى الاستعمارية الجديدة التي كانت تطمح إلى تمزيق وإعادة استعمار لهذا الكيان الهش في تلك الاثناء وخوفآ على البعد العربي والقومي انطلقت الثورة العربية الكبرى تحت عنوان التماسك القومي للعروبة ضمن إطار كلي وهو إطار دولة الخلافة الإسلامية، ولكن على قاعدة وقف سياسة التتريك التي كانت سائدة في تلك المرحلة ووصلت إلى حدود التشويه الممنهج والمنظم لأصول اللغة العربية.

إذن انطلاقاً من هذه الرؤية، فان العروبة والقومية التي على اثرها قامت الثورة العربية الكبرى، كانت ليست فقط للدفاع عن القومية العربية بإطارها المحدود، إنما كانت ثورة من أجل إعادة بوصلة ديننا الإسلامي الحنيف إلى مركزه الحقيقي، وأن القرآن العربي كان لابد من الحفاظ عليه ضمن إطار التجاذبات السياسية في تلك المرحلة، فآل البيت كانوا في طليعة المدافعين عن هذين البعدين الإسلامي والعروبي، وبعد آخر غاب عن كثير من المحللين والمراقبين وهو البعد السيادي العربي، فدون سرد للإطار التاريخي للتكوين والبناء والإنجاز فإن الثورة العربية الكبرى كانت وما زالت وخلال مئة عام من انطلاق مملكتنا الأردنية الهاشمية تتخذ موقفاً قومياً ضمن إطار الكل الإسلامي، ولذلك فإنها كانت خطرة على مشاريع التقسيم والتفتيت، التي كانت هدفاً استراتيجياً للقوى الاستعمارية الناشئة بذلك الحين وتجلياتها في المرحلة الجديدة أي (الاستعمار الحديث) في الشكل والمضمون الذي جعل الكيان الصهيوني آداته في ضرب الرسالة العروبية.

ولذلك فان التناقض بين هذا الكيان ورسالة الهاشميين المتجذرة في المملكة الأردنية الهاشمية تناقض وجودي، وليس تناقضاً قائم على المصالح السياسية والاقتصادية، إنه كيان يستهدف البعد العميق لتكوين الوجوب الوجودي للأردن كرسالة منبثقة من واقع العروبة كركيزة لا يمكن على مدار التاريخ أن تجد موقفاً لهذا الكيان الشامخ مضاداً أو نقيضاً لهذا المشروع، وسنتابع ذلك التدرج ضمن إطار مقالات متتالية، ولكن الأهم أنه وفي السنوات الأربع الماضية تعرض الأردن لأقصى أزمات الوجود من ضغوط لا مثيل لها في الجوهر والمضمون، التي ارتكزت على قاعدة تجاوزه كمحور أصيل في الإقليم والمنطقة، ولكن حنكة وصلابة وقوة القيادة الهاشمية التي قادها باقتدار جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين كانت حجر الرحى في إجهاض مشروع «صفقة القرن» وتداعياتها السياسية والاقتصادية، والأهم من كل ذلك السيادية، فلم ولن يقبل الأردن أن يتنازل ولو في الحدود الدنيا عن مضمون رسالته، التي ستكون بإذن الله ناجزة في قريب الزمان، فلن يكون هناك ذلك الزخم من الضغوط الهائلة انطلاقاً من التحولات التي انبثقت من الانتخابات الاميركية الأخيرة والمؤشرات التي تعد بجولة متوازنة في قراءة الواقع الدولي المعاصر فطوبى لقيادتنا الهاشمية الفذة وطوبى لتماسكنا المجتمعي المبهر، ولن يكون هذا الوطن الا رديفاً وسنداً حقيقياً لقضيته المركزية قضية فلسطين، وإلى رسالته العروبية القومية على مسار التاريخ.