سمير إسحق

يقول أحد الفلاسفة القدماء: «في وقت المحنة تظهر حقيقة الإنسان»، مع العلم أن وقت الرخاء يوجِد فرصاً للارتقاء الفكري والنضوج الأدبي والكتابة الغزيرة. ولكن لو تمعّنّا لوجدنا أن الضائقة المعيشية وصعوبة الأحوال المادية تعلم الانسان إيجاد الفرص الملائمة لينتصر على همومه ومشاكله الاجتماعية والاقتصادية بمعالجتها بالفكر الفلسفي الطبيعي، وهنا تظهر مهمة العقل، فالعقل عندما يواجه مشكلة ما يتهيأ لها ويدرسها بتمهل ولا يتسرع بالحكم عليها إلا بعد تنقيحها وتمحيصها وإيجاد الخلل فيها، وعلى ذلك فالعقل غير العاطفة، فلو كانت الع?طفة وحدها تحل مشاكل الإنسان لاختارها وعمل بقوانينها السريعة لحل مشاكله.

وفي التاريخ أمثلة على وجوب الأخذ بالحل العقلي للابتعاد عن الوقوع في الحلول العاطفية الساذجة، ولكن تبقى الفلسفة وعملية اليقين والتصاعد الفكري مع وجود الفقر والحروب والأمراض الفتاكة هي الطريق لمعرفة الإنسان لنفسه وسلوكه وحقيقة وجوده. ومن غير هذه الاختناقات المصيرية كيف للإنسان الخامل أن يتحرك ويفكر في إيجاد أنماط حياتية جديدة تنقذه من المصائب والكوارث الكونية التي عليه الانتصار فيها ليعمر الكون ويبقى الإنسان فيها خالدا ولا ينقرض بفعل الكوارث والبراكين والأعاصير والأمراض المعدية التي تحاول أن تفتك به وتقضي عل?ه.

في مواجهة هذه الأحداث الهالكة والجبارة تقف الفلسفة كطوق النجاة للإنسان، للخلاص من السقطات الكاسحة التي يكون الانتصار عليها بالعقل وحده، وميزة الإنسان هي لغة الإدراك وحتمية الانتصار في اللعبة الكونية التي تهدد الوجود الإنساني برمته، فالفلاسفة عاشوا حياتهم مع الألم والانكسار والأمراض والكوارث الطبيعية، وانتصروا عليها بالعقل والرؤية الواضحة والرجوع إلى السلوك الإنساني لمواجهة هذه العقبات التي تحاول فيها الطبيعة كسر الوجود وتحطيم الإنسان والقضاء على تطوره وتقدمه الخيالي وما وصل إليه من اكتشافات عظيمة في تفسير ?صل الوجود وقيمة الإنسان ورقّيه.

وهكذا فعل ألبير كامو، فقد عاش في بيئة فقيرة مع أم عمياء، لكنه تجاوز الفقر وانتصر على ذاته ولم تُعِقه صخرة كبير الآلهة عن مواصلة تحدي الجبل، فالفلسفة هي انتصار العقل على الفشل، والإنسان بطبعه فيلسوف.

فانظروا كيف أن هذا الوباء قد غيّر سلوكيات البشر وغيّر طباعهم وعاداتهم التي رافقتهم طوال عمرهم.. لا حفلات ولا سهرات مع الاصدقاء ولا إجازات ولا سفر حول العالم، حتى الحب توقف! وكذلك التفكير بالمشاريع المستقبلية والإعداد للغد! حتى الحرية أصيبت بالجمود.. ولكن نتج عن كل هذه الخطط التي تغيرت بفعل هذا الوباء المستجد الذي حصد أرواح الملايين من البشر نوع جديد من السلوكيات في البيت؛ فصار لدى الإنسان الوقت الكافي ليفكر في وجوده ويفكر في حياته ويستنبط خططا جديدة ليحمي نفسه من الموت، وصار يفكر أكثر بالحياة ومعناها وقيمت?ا. هنا صار العقل يعمل، والنظرة الفلسفية أخذت طريقها لتجدد الخلايا النائمة عند الإنسان.

لقد أوجدت الفلسفة عند الإنسان فيلسوفا هو نفسه يملك التحكم بحياته. وهذه الفلسفة الذاتية هي التي ستنقذ إنسان هذا العصر من الانقراض والاندثار، ليبقى الإنسان سيد هذا الوجود وليكون انتصاره حتميّاً على هذا الوباء الكارثي.

(كاتب أردني يقيم في الولايات المتحدة)