آخر الأسبوع - وليد سليمان

في العاصمة عمان كان أشهر أخصائي نفساني في فترة ثمانينيات القرن الماضي هو الدكتور وليد سرحان.. فقد كان أسمه يتردد على لسان الأدباء والمثقفين، حيث كان يكتب وينشر مقالاته النفسية في الجرائد الأردنية اليومية والمجلات المتخصصة.

وفيما بعد من السنوات عُرف الدكتور وليد سرحان أكثر.. وذلك عندما أصبح يقدم البرامج التلفزيونية في مجال تخصصه لجميع طبقات المواطنين؛ مثل برنامجه «سلوكيات» الذي كان يبث من التلفزيون الأردني بداية التسعينيات؛ والذي أدى إلى عمل توعيه نفسية وسلوكية لمعظم شرائح المجتمع الأردني.

وبالتعريف المختصر عن الدكتور الشهير بالطب النفسي» وليد سرحان» فهو:

زميل الكلية البريطانية للأطباء النفسيين.

زميل دولي مميز للجمعية الأميركية للطب النفسي.

مستشار الطب النفسي.

رئيس تحرير المجلة العربية للطب النفسي.

عضو فخري في الجمعية العالمية للطب النفسي.

وللدكتور وليد سرحان العديد جداً من الأنشطة المتنوعة بمشاركته بالمحاضرات والتدريس والبرامج المرئية والمؤتمرات العربية والأجنبية، وتأليف الكتب والحلقات والمقالات والدراسات النفسية.. عدا عن علاجه الدائم لآلاف الناس الذين يشكون من مشاكل نفسية وعقلية واجتماعية في عيادته بمنطقة الجبيهة في عمَّان.

وفي بداية هذا العام الجديد 2021 كرَّمته مؤسسة العلوم النفسية العربية ومقرها تونس بإعطائه لقب «الكادحون في علوم وطب النفس» كشخصية العام العربية في علوم وطب النفس.

وقد شكر البروفيسور وليد سرحان هذه المؤسسة برسالة جاء فيها:

الاخ العزيز الدكتور جمال التركي الأكرم رئيس مؤسسة العلوم النفسيه العربية.

تحية واحتراماً.. ان تكريمكم لي هذا العام 2021، بلقب «الكادحون في علوم وطب النفس» ما هو إلا شرف كبير ووسام على صدري، من التجمع العربي الاكبر لعلوم وطب النفس، فلم نعتد على التكريم العربي بل اعتدنا على التكريم الاجنبي.

مما لا شك فيه ان هذا التكريم لا اراه إلا دافع لبذل المزيد من الجهد والعمل من اجل تقدم العلوم النفسانيه العربيه.

كما ان تكريمي السابق بلقب » الراسخون في علوم وطب النفس »، كان وما زال يعني الالتزام بالجهد والعمل بكل جد، ولطالما كان التكريم بالنسبة لي هو تحدٍ اكثر مما هو نهاية العمل.. أعاهدكم على ان اكون دائما طالباً للعلم والمعرفه، وعاملاً على التدريب والتدريس، ومسانداً للبحث العلمي العربي، ومدافعاً عن العلوم النفسانيه والعاملين بها.

وان تنبهكم أخي الدكتور جمال والقائمين على الشبكه لأهمية التكريم هو أمر أقدره وأثمنه.. فقد غاب تكريم العلم والعلماء عن الساحة العربية الى حدٍ كبير، فلكم ولمجلس ادارة المؤسسة كل التقدير والمحبة والاحترام -عمّان–الأردن في 2021/1/1.

همسات نفسية

ومن سلسلة كتبه ومقالاته في الطب النفسي فقد كتب الكثير عن ذلك لتثقيف الجمهور الاردني والعربي.. ومن ذلك مثلاً فقد كتب عن:

الخوف.. وعادات دون حسابات.. وقلـق ليلـة الزفـاف.. وصحة الأطباء..والمرض النفسي بشكل عام.. والاكتئاب.. ورسالة من مريضة بالفصام..اضطراب المزاج ثنائي القطب.. والذكاء.. والفصام.. والتعامل مع المصاب بالخرف...وغير ذلك الكثير من المواضيع النفسية.

المرض النفسي بشكل عام

ومن كتابات الدكتور النفساني وليد سرحان عن المرض النفسي بشكل عام يشير الى:

المرض النفسي مثل غيره من الأمراض خلل في وظائف الإنسان الطبيعية. فالسكري خلل في عمل البنكرياس، والضغط خلل في عمل الشرايين، والمرض النفسي هو خلل في وظائف النفس وهي: المزاج، الانفعال، الإدراك، التفكير والشخصية والسلوك.

فعندما تتغير هذه الوظائف يسمى هذا التغيير مرضا نفسيا كالاكتئاب اضطراب في المزاج والوسواس اضطراب في التفكير والسلوك، والفصام اضطراب في الإدراك والتفكير وهكذا.

وهل صحيح أن ربع سكان الأردن يعانون من أمراض نفسية؟! إن تقديرات انتشار المرض النفسي في العالم تصل إلى 40% من السكان وعندما تقول إن ربع السكان يعانون من المرض النفسي فهذا أقل التقديرات العالمية والمحلية.

فلو أخذنا اضطرابات المزاج والقلق فإن 67% من البشر سوف يعانون منها في مرحلة ما من مراحل حياتهم، وإذا انتقلنا للأطفال فإن 5% من الأطفال بعمر عشر سنوات يعانون من التبول اللإرادي و15% من اضطرابات سلوكية وعاطفية.

وإذا أخذنا الاضطرابات الجنسية مثلاً فهي تصيب ما يزيد عن ثلث البشر، ومشاكل النوم واسعة الانتشار، فالواقع إذا جمعنا كل النسب المعروفة لإنتشار الأمراض النفسية لتعدى هذا ربع الناس بكثير، ولكن مع الأسف فإن غالبية هؤلاء الناس لا يخضعون للعلاج، إما لعدم القناعة أو عدم توفر الخدمات.

وما الأسباب المؤدية لحدوث الأمراض النفسية؟! من المعروف أن المرض النفسي ليس له سبب واحد مباشر، بل هناك استعداد وراثي، واستعداد في بناء الشخصية، بالإضافة إلى الظروف الإجتماعية التي يعيشها الإنسان، وأحداث الحياة التي يمر بها.

كل هذه العوامل تتضافر معاً حتى تؤدي إلى تغيرات في الناقلات العصبية الكيماوية في الدماغ، فهذه الناقلات هي المسؤولة عن تنظيم الوظائف النفسية، وبالتالي قد يزداد السيرتونين أو يقل أو يتغير الدوبامين والأستيل كولين.

وعن نظرة المجتمع للمريض النفسي هل هو إنسان مجنون؟! فلا بد ان نعرف من هو العاقل حتى نجيب على هذا السؤال من هو المجنون!!!.

إن الطب النفسي يشمل على أمراض كثيرة ومعقده وليس فيها مرض الجنون، وقد يقصد الناس بكلمة مجنون أشياء مختلفة، فالإنسان الذي لا ينام ويشعر بالرهبة يعاني من القلق والذي يعاني من الاكتئاب لا يشعر بالمتعة في الحياة، والذي يشكو من الصداع التوتري أو تهيج القولون، هل هؤلاء مجانين؟! وعلى أي مقياس يمكن اعتبار ذلك!!!.

قد يقول الناس أحيانا عن المعاقين عقلياً أنهم مجانين والواقع أن ذكاء هؤلاء الناس أقل من عمرهم فقط، ومريض الفصام قد يتوهم بأشياء غريبة ويسمع ويرى أشياء غير موجودة، وليس بالضرورة أن يراها ويعرفها الناس، أن ضعف الثقافة النفسية تحرم الكثير من البشر من العلاج وبالتالي تتركه يعاني بسبب مفاهيم شعبية خاطئة وكلمات لا معنى علمي لها.

وهل كما يقال إن الأدوية النفسية تسبب الجنون ولا فائدة منها لأن بها نوع من المخدرات يؤدي للإدمان؟! إن الطب النفسي هو المعني بالإدمان أساساً بمكافحته وعلاجه.

وكيف يصبح العلاج النفسي هو مصدر الإدمان ومصدر الجنون؟! إن الخلط الذي يحدث بين الناس عندما نتحدث عن المؤثرات العقلية والعقاقير الخطرة لا يقصد بها أدوية تستعمل للعلاج، فالحشيش والأفيون والأمفيتامين هي مؤثرات عقلية وليست علاجات تستعمل في الطب النفسي، إما إذا كان هناك بعض من يسيئون استعمال أدوية السعال والصرع والقلق ويدمنون عليها فهذا أمر مختلف.. والطب النفسي هو المسؤول عن علاج هؤلاء.

وأما أن يسبب العلاج النفسي الجنون فكما سبق وأوضحت فإن الجنون ليس في قاموسنا، وما يسبب أمراضا نفسية خطرة هي المخدرات والمؤثرات العقلية والعبث بها.

وإذا لم يعالج المرض النفسي من البداية فما هي مضاعفاته؟! إن عدم علاج المرض النفسي يؤدي إلى تفاقمه، ويؤثر على إنتاج الفرد ومسيرة حياته.. فالطالب يفشل بالدراسة والعامل يتراجع في إنتاجه وربة البيت تصبح غير قادرة على أداء واجبها.

وخصوصاً أنه على الأغلب سيقوم المرضى وذووهم بزيارة المشعوذين الذين يزيدون المشكلة ويفاقمونها، بتفسيرهم للمرض ونصائحهم وعلاجاتهم التي قد تشمل الضرب حتى الموت، وإذا كان في الأردن أربعون طبيباً نفسياً فربما هناك آلاف المشعوذين.

وما هو العلاج الذي يُعطى للمريض وهل يمكن أن يشفى شفاءً تاماً؟!

إن العلاج الذي يُعطى للمريض يعتمد على مرضه، فهناك مضادات القلق ومضادات الاكتئاب والوسواس ومضادات الذهان، بالإضافة للعلاج السلوكي والمعرفي والنفسي.

والأمراض النفسية مثل غيرها من الأمراض قد تكون حادة قصيرة أو متوسطة أو طويلة، ومنها ما يشفى شفاءً كاملاً ويوقف علاجه، ومنها ما يتطلب علاجا وقائيا طويل الأمد.

ولابد من أن يتم بحث كل مرض على حدى، وكل مريض له ظروفه ووضعه، فالمريض في السبعين من عمره إذا أصيب بالاكتئاب وكان يعاني من أمراض عضوية مختلفة يكون تجاوبه أقل، وعلاجه أطول من الشاب الذي يعاني من نفس المرض.