«رسائل من الشاطئ الآخر».. مجموعة رسائل متبادلة بين الكاتب الصحفي المصري حسام عبد القادر والدكتورة دلال مقاري باوش مديرة معهد دراما بلا حدود في ألمانيا.. حول هموم وقضايا مشتركة تهم الوطن بمفهومه الشامل، وتعبر عن كثير من القضايا التي تؤرقنا نحو وطننا وتتحدث عن الغربة خارج الوطن وداخله، خاصة قضايا الهجرة والسفر والهروب عبر البحار والمحيطات لمستقبل غامض على أمل في غد أفضل.

هذه الرسائل الأدبية تذكرنا بجنس أدبي افتقدناه كثيرا وهو أدب الرسائل أو فن الرسائل والذي يعد من الفنون الأدبية القديمة، وهو فن نثري جميل يظهر مقدرة الكاتب وموهبته الكتابية وروعة أساليبه البيانية القوية. والرسالة نص مكتوب نثرا، يبعث به صاحبه إلى شخص ما، كما تعتبر الرسالة الأدبيّة من أهم فنون السرديات؛ حيث تخاطب الغائب وتستدرجه عبر فنيتها ببلاغة الكلمة وقوتها.

الرسالة الثالثة والعشرون..

للطيور أيضا هجرتها

صديقتي العزيزة دلال

ما زلت اتأمل مصطلحي الهجرة والغربة، وكل يوم اكتشف الجديد حول هذين المصطلحين ودلالتهما، ولكن استوقفني مشهد مثير أثناء عاصفة ثلجية شديدة وأنا أقود سيارتي بحذر وسط شوارع مونتريال، حيث فوجئت بسرب من الطيور يطير في شكل رقم 7 كما هو المعتاد، تأملت هذا السرب وتساءلت لماذا تخلف عن السفر؟ هل رفض الهجرة أم أنه تأخر فقط؟

وأعرف أن هناك مواعيد لهجرة الطيور دائما تكون في موسمي الربيع والخريف، ولكن ونحن في الشتاء وفي قمة الصقيع، فكيف لهذا السرب وجوده في هذا الجو الصعب؟ وكيف تتحمل هذه الطيور شدة البرد والصقيع، وتعيش وسط الثلوج؟ خاصة أنها تطير على مسافات مرتفعة حيث يصبح البرد أكثر شدة وصعوبة.

ذهبت إلى مولانا جوجل حتى أتأكد من معلوماتي، فاكتشفت أن هناك طيورا ترفض الهجرة، وتفضل البقاء رغم الإغراءات الشديدة، ورغم أنها قد تتعرض للموت بسبب سوء أحوال الجو، تأملت كثيرا هذا الوضع وتخيلت حوارا بين الطيور بعضها البعض ورسائل متبادلة مثل رسائلنا، وهم يناقشون موضوع الهجرة ويجرون تصويتا لأخذ قرار الهجرة من عدمه، فكيف يمكن لهذا الحوار أن يكون؟

إذن الأمر لا يتعلق بنا نحن بني البشر، وحواراتنا الدائمة عن السفر والهجرة، وهل القرار صحيح أم خطأ؟ بل الأمر يتعلق بالطيور وأيضا بعض الأنواع من الحيوانات، وبالمناسبة فحتى أسباب الهجرة لدى الطيور متشابهة معنا بشكل مذهل، فالطيور تسعى إلى الأماكن التي بها الدفء، والغذاء، وإلى الأماكن الآمنة للتكاثر.

حتى المخاطر التي تحدث أثناء السفر هي تقريبا واحدة في المفهوم والمعنى، وتذكرت جيدا الهجرة غير الشرعية التي يغامر بها الشباب غير عابئين بحياتهم من أجل الوصول إلى الشاطئ الآخر، تذكرتها جيدا وأنا اقرأ عن هجرة الطيور، فبعض الطيور تأكل طوال الطريق أو أثناء الرحلة، وهم المرفهون الذين يسافرون درجة أولى وبشكل شرعي، والبعض الآخر يأكل الكثير من الطعام قبل الهجرة، وتخزن الدهون التي تمدها بالطاقة في الجسم، لأنهم قد يظلون لعدة أسابيع بدون طعام أثناء هجرتهم، ومن أهم المخاطر التي تواجه الطيور المهاجرة مقابلة بعض الحيوانات المفترسة، أو الطيور الضخمة التي تأكل الطيور الصغيرة، وأيضا مقابلة الصيادين من البشر الذين يوجهون لهم سهامهم.

ظللت فترة طويلة متأملا المقارنة بيننا وبين الطيور، ولم أجد ما أقوله سوى «سبحان الله»، وقد تكون الطيور أكثر حظا منا، فهي لا تحتاج إلى جواز سفر للانتقال من بلد إلى أخرى، فالكرة الأرضية كلها وطن واحد لها، كما تحدثنا في رسالة سابقة وتساءلنا هل يمكن أن تكون الكرة الأرضية وطنا واحدا؟

هي فقط تبحث عن الغذاء والحياة في سلام، وهو ما نبحث عنه بكل تأكيد، فأهدافنا واحدة ولكن هل كل البشر يبحثون عن الغذاء والسلام فقط؟ في الحقيقة لم أستطع الإجابة بنعم مع الأسف.

تدخلت المطامع البشرية والأحقاد والضغائن، وبالتالي الحروب والدمار ليظل حال الإنسان في صراع دائم ومستمر، صراع بين الخير والشر، بين المرض والصحة، وبين الحروب والسلام.

عزيزتي دلال.. أتمنى لك سلاما دائما وسكينة في حياتك وفي انتظار ردك بكل شغف.

حسام عبد القادر

يسعد أوقاتك حسام، طمني عنك؟

يوم مختلف، يوقظ شهوتي للحكي!

أصغي إلى الأصوات القادمة من بعيد، بعينين مغمضتين، تهب الذكريات، تحرك الساكن من أوراق عمري، وتقرع أجراس البعد، الغياب، الرحيل، المنفى.

خرير مياه الحكايا يغسل وجهي لأصحو.

عشقت طائر اللقلق، ذلك الوفي المخلص للحب والروائح والمكان! عشقت تحليقه ووقوفه على أطلال الأحبة، حين يعود (جالب الحظ، المنبعث، المتجدد) إلى عشقه القديم وعشه القديم، مع بدايات الربيع.

أتفهمني؟

**************

في غابات الصنوبر قرب بيتي، تعيش طيور مستقرة، متمردة، تأبى الهجرة، تأبى الرحيل، برغم الصقيع وشح الطعام! تتناسل بالتمرد والمقاومة والأمل، تتناسل بالحب بين أسوار الحدائق، وأشجار الصنوبر، تعجبني (لم تفقد يوما شهيتها للتحليق والغناء).

**************

قبل أيام حسام، أرسلت لي صديقتي الوفية الشاعرة (فريال. ع) صورة على الواتساب، صورة لديواني الأول (صوت مسام) وقالت لي: "شوفي وجدته بين أنقاض بيتنا المدمر قرب دمشق"، دُمرّ كل شيء، وتلاشت تفاصيل وذكريات وأسرار البيت، لكن كتابي عاش بين الركام، يأبى أن يغادر!

**************

هكذا تبدأ الأشياء يا صديقي

مدن نازفة، وحكايا من لهيب ورمال

شواطئ بيضاء تفتح أذرعها فقط في الحلم

ومكان ما من العالم ينتظر الحالمين

يلوح البعد كمجمع من الخيالات الغامضة

فسيح حدود الانغلاق، بعيد لدرجة الالتباس

شديد التعقيد حدود الامتناع

عالم يوجد فقط على هيئة (لوحة كولاج) حلم أو سراب

هل هناك غرائبية أكثر من الرحيل الغرائبي؟

هذا هو الشرق نواة الغرائبية، من الحب إلى الحرب

وما بينهما عبقرية الاغتراب!.

من أي البوابات نخرج؟

من أي البوابات نعود إليه؟

**************

بالله يا حسام، قل لي، كيف يكون طعم المنفى طعم الغربة والغياب؟

كيف يكون الشوق والحنين؟

نلتقي على حبال المعاني مجددا.

دمت لنا بخير

د. دلال مقاري باوش