حاتم عبدالهادي السيد

يحيلنا الشاعر محمود حسن، منذ الوهلة الأولى في ديوانه: «العبّاسة» الى التاريح، الى عصور الخلافة العربية في العصر العباسي، حيث هارون الرشيد: الدولة، الحكم، تنازع السلطات، الصراع الطبقي، العنصرية، وتغليب ما هو عربي على ما دونه، نكبة البرامكة، صراع الطوائف حول السلطة، وكأنه يستدعي التاريخ ليحيلنا الى واقعنا العربي الآن .

لقد أهدى ديوانه: «الى الانسانية»، وهي عبارة – وان كانت مقتضبة – الا أنها دالة ومعبرة، فالانسانية ليست كلمة كالكلمات، لكنها واقع معاش، حيوات في عمر المكان والسكان، تاريخ شعوب وحضارات وممالك، بدأ الخلق والتكوين: آدم وحواء، وصراع البشر على كوكب الأرض، رحلة القتل والظلم الانساني بسبب الطمع والجشع والاستحواذ على السلطة، المال والجاه والسلطان، صراع الأيديولوجيات والأمم والشعوب، القيم بمعانيها وزخمها، الانسان وتاريخه منذ بدء الخليقة.

اننا أمام شاعر لا يستدعي الأسطورة ويستلهمها، لكنه يصنع لنا «الأسطورة العربية»، فقد جعل من «العبّاسة» – أخت هارون الرشيد وزواجها من يحيى البرمكي –زواج العين– دالاً رامزاً لتاريخ الظلم الانساني المقيت، للصراع الطبقي بين بني البشر، للأفضليات والمفضليّات، والتعالي من قبل الطغمة الحاكمة تجاه الشعوب الفقيرة البائسة، لصورة الحكم في عصر وصف – تاريخياً – وما أبشع التاريخ، بأنه عصر التنوير، الرقى والتمدين.

فأي. عذاب لزوج يتزوج امرأته «زواج العين»، فلا يستطيع أن يقربها الا بأمر الحاكم والا قطعت رقبته، فقد زوج هارون الرشيد أخته العبّاسة لوزيره وساعده في الحكم «جعفر البرمكي»، ولأنه ليس عربياً، مع كونه مسلماً، فقد ابتدع زواج العين ليعذبه لما عرف بحبهما، ولكن ارادة المولى كانت فوق سطوة ظلم هارون، فقد رفض جعفر هذ الظلم وانتصر للحب، وطعم زوجته فحملت من ليلتها، فما كان من هارون الرشيد وغطرسته الا أن أمر بقطع رقبته، جزّا بسكين العار الانساني دفاعاً عن هيبة الحاكم وكلمته، وكان يمكن له أن يعفو عنه، لكن غطرسة الحكم وجبروته وسطوته، وتعاليه قد جعلته يأنف في أمر تكسير أوامره، ولم تشفع له خدمات جعفر والبرامكة في خدمة الدولة، ومع ان هارون الرشيد كان رجل عدل وخير، الا أن البرامكة قد عاثوا فساداً في الدولة والحكم، وعدم احترام الحاكم، وكانت زبيدة زوجته تكرههم فأوعزت اليه للتخلص منهم على كراهة منه، لأنه كان يرفض رؤية منظر الدماء، فقد شهد عصره نهضة ثقافية وحضارية، وأقام ميزان العدل بين الناس، لكن البرامكة كانوا يتحينون الفرصة لقلب نظام الحكم، فكان لهم بالمرصاد، أي أن الكل مدان هنا، وليس هارون فحسب، فقد كان رجل عدل وحكيم عصره، وكان يتهجد بالليل، ويخشى الخالق كذلك.

نلحظ أن الشاعر محمود حسن يرفو قماشة اللغة ليصنع ثوب الشعرية المورفولوجي، عبر فونيمات الحروف التي تصنع جرساً للشجن يخشّ الى ضفاف الروح، فاللغة لديه نهر ينساب، هارموني ينتظم عقد الصور الجمالية الباذخة المنسابة من فقه الجمال السّياقي، حيث اللغة المائزة، فنراه يتقصّد الشعريّة العربية ليعيد اقتصاديات اللغة المائزة عبر التراكم، والتقارن، والانزياحات التي تشكّل السياقات النصيّة الباذخة، فاللغة لديه شاهقة، لا تجد ترهلاً، ولا كلمة ليست في موضعها، بل أننا لو حذفنا حرفاً من الديوان لاختل البناء، بما يشي باحكام الشاعرية من جهة، وحرصه على التأنق وكأنه يمكيج اللغة بطلاء روحه، ويضفي عليها غلالة من نور، يدخل الى الروح فيرويها من نهر الجمال، كما أنه لا يستخدم لغة دارجة، أو الغازية، بل لغة بسيطة دافقة، وعبر التكثيف والتقصيد والتراكم، تجىء المعانى محمّلة بزخم جمالي وتاريخي وسياسي واحالي، كما لا يستخدم التضمين في استدعاءاته، فقد استدعى شخصية الشاعر/ أبو العتاهية ليحدثنا عن دور الشاعر والمثقف الذي يقول كلمة الحق، فقط ربما لكونه أعمى، بينما الآخرون صمتوا، أو ركنوا الى بلاط القصر ومداهنة الملك، لذا فان أبوالعتاهية هو شاهد التاريخ، المثقف الذي يكتب صفحاته دون مواربة، أو على الأقل بينه وبين ذاته والمقربين يصدح بالحق، وقد يخشى كثيرون بطش الحاكم لكننا رأينا أبوالعتاهية ينصح هارون.

لن ندهش اذا علمنا أن عزيز أباظة قد كتب مسرحية عن «العبّاسة»، كما كتب «جرجي زيدان» رواية عنها، الا أن محمود حسن – كما أرى- قد فاق هذين الرمزين الكبيرين في كتابة واستلهام تاريخنا العربي، فأباظة كتب مسرحيته شعراً عمودياً موغلاً في الغموض، وكان ناظماً أكثر من كونه يستخدم الدراما المسرحية، كما اختلق جرجي زيدان من مخيلته الكثير، وأضاف الى التاريخ ما ليس فيه، وهو وان جاز في السّياق الفني، الا أننا أمام استلهامات التاريخ لابد ألا نحرّف فيه، ولا تشطح خيالاتنا لتصورات قد تحدث فجوة في السرد التاريخي، وأرى أن/ محمود حسن عبدالتواب قد استطاع أن يهدهد المعاني، ويروّض المباني، ويطوّع الصورة ليصنع معمارية قصره الشعري المهيب، ليضاهي قصر العباسة وهارون في أزهى العصور العربية آنذاك، فاتسقت اللغة وتمحورت عنده، وتزيّنت، لتضفي على الصورة الشعرية جمالية أكثر وضوحاً وشفافية، وتأصيلاً وترسيخاً للتراث العربي بتاريخ انيته الحقيقية، فالكل مدان هنا، ولم ينتصرشاعرنا لهارون كونه عربياً، ولا لجعفر كذلك لكونه غير عربي. وفي ذكاء منه رأيناه قد ربط الماضي بالحاضر، ليطلعنا الى قضايانا السياسية والاجتماعية والاقتصادية الآنيّة، وكأنه يسقط الماضي على وجه الحاضر، ليرينا أين نقف نحن الآن من التاريخ عبر زمكانيته الممتدة.

الشاعر محمود حسن، يحاول كشف المسكوت عنه، أو ما يسمى بفقه العامة، وتعمية الشعوب على مر العصور.

انها شيفرات المعادلة الانسانية الكبرى التي أحالها الينا/ محمود حسن في ديوانه التاريخي الأسطوري الشاهق، الذى يؤسس بامتياز لذوق شاعر يعرف التاريخ جيداً، ويستفيد منه لتجديد أواصر ودماء القصيدة العربية المعاصرة، ولعلنا نغمطه حقه اذا أطلقنا على كتابه هذا اسم «ديوان شعر» بل هو كتاب الانسانية وتاريخها الذي يسرد جانباً مظلماً في تاريخنا العربي، جانب الظلم الانساني– المسكوت عنه –تاريخ الثورات العربية الكبرى عبر العصور، فالكل مدان، وهارون لم يكن ظالماً كذلك لكنه التاريخ السري للأمم والحضارات والممالك.

واذا نظرنا الى لغة الكتاب المسرحية لقلنا أنها مسرحية شعرية، أو «رواية تاريخية شاعرة»، أو أنها مسرواية شعرية جديدة تستقطب ككقارئ وتأخذك بتلهف حتى النهاية، لترى مصير العبّاسة، جعفر، يحيى، وغيرهما من شخصيات التاريخ التي ظلمت، كما ظلم هارون.

ان شاعرنا هنا يمسرح التاريخ، ويمازج – عبر النوعية- بين الفنون الابداعية، ويشارك القارىء في خطابه التاريخي، سفره الذي يتوسله، اسقاطاته، ومعادلاته الموضوعية والضمنية، والرمزية لاضفاء واقع سحري للقارئ، وكأنه في جوقة المسرح والجمهور قد اخترق الحاجز الوهمي الرابع ودخل الى اللعبة، العصر التاريخي ليعيش ويقارن ويراكب – على حد تعبير سوزان سونتاج، أو أنه يعيد تأسيسية جديدة للشعرية العربية باستلهام القارىء واشراكه كجزء من اللعبة التاريخية الشعرية الاحالية الترميزية، ليحيلنا الى ذواتنا المقهورة، الى الانسان في أي زمان ومكان.

وما بين شخصيات الرواية/ المسرحية/ الديوان/ كتاب التاريخ الشعري، تتعدد الشخوص، الأحداث، الحكايات و/ المتوالية السردية القصصية الشاعرة، تداخل الأزمنة والعصور عبر دلالات المرويات التاريخية على لسان، أبطال القصة التاريخية بامتياز التي تستدعيها شخصيات الرواية الشعرية، أسلوبية اللغة عبر المشهدية التراجيدية التي يستدعيها، هارون الرشيد، العباسة، جعفر، يحيى، زبيدة، الجارية برّة، عصماء، الخيزران، أبواسحاق «الشاعر أبو العتاهية»، الوزير يعقوب، الجنود، الحراس، الدهماء «عامة الشعب»، نستطيع أن نقرر بأننا أمام منظومة حياتية ممتدة، فهارون الخليفة تتجدد مسمياته بتجدد العصور، والعباسة هي الرمز للجريحة/ المغدورة/ المعذبة/ الشعب، وحاشية كل العصور، والسلطات بمختلف أنواعها، لتختلط الأزمنة بالأمكنة، عبر أسطرة التاريخ، ولا حتميته كذلك، ولكنها صور مستنسخة للانسان .

اننا أمام العبّاسة، وحسب، سفر يتوضأ بالوجع الزاعق في بريّة السكون والعتمة بحثاً عن بصيص ضوء يأتي من نهاية نفق خانق، ياخذ بالرؤوس والعناق، يلوي عنق الحقيقة، يعارك الحرية في بذخها وهيبتها، يطعن الآخر في صمت، شهادة حق على ذوات مقهورة، رمز في جبين العالم النازع نحو الحرية والعدل الانساني البعيد، يجيء ويذهب، ولكنه يستشرف الحلم بثورة الذات، الشعوب، استيقاظ المارد العربي من جديد، عودة الفلاح للأرض، الفأس، لا يلوث نهراً، ولا يسطو على جارة منزله، ولا ينتهك حرمة الآخر، حقه في الحياة في أمان وسلام

ان العبّاسة هى ذواتنا المقهورة عبر التاريخ/ الزمان والمكان، عبر مهج تعشق الحرية وتريد أن تتنفس هواء الحقيقة، تقابل اليقين وتسمو به لعليين، تصفو بالذات والمجتمعات ليعود للأرض السلام، ويضيء الزيتون على شجرة الحقيقة، وتغني حمامات الحب بالسلام المنشود للكون والعالم والحياة .