بعد ما تجاوزنا مبدئياً أزمة وباء كورونا، مع بقاء تحدي السيطرة عليه أمراً حيوياً ومطروحاً، تبدو الحاجة ملحة لإعادة تقييم وقياس أداء القطاع الصحي في المملكة، بروية وهدوء، خصوصاً وان التحديات ما زالت ماثلة، وتكمن بتحسين تدابير السلامة العامة من قبل المؤسسات والشركات والقطاعات المختلفة، وزيادة الاستعداد لأية حالات طوارئ مستقبلية.

القطاع الاستشفائي في المملكة تحمل العبء الاكبر طوال العام المنصرم تقريباً، بسبب الوباء المفاجئ، ورغم ان القطاع الصحي بقطاعيه العام والخاص، واجه تحديات جمة قبل الوباء، ابرزها المديونية الداخلية والخارجية، ونقص الكوادر الطبية وهجرتها، الاحالات على التقاعد المبكر للقيادات الطبية الميدانية، ما أدى الى بروز تحديات الاستمرارية بتقديم الخدمة المتميزة والمشهود لها إقليمياً وعالمياً، اضافة الى تحدي القدرة على مواكبة التطورات الطبية العالمية والاستفادة من التكنولوجيا التي تتقدم يومياً، رغم كل ذلك، إلا انه تمكن من الصمود، إذ لم نسمع عن تسريح موظفين صحيين او إغلاق مستشفيات خلال الجائحة.

من هنا، يمكن التفكير ملياً في هذه المرحلة بوسائل وآليات عمل جديدة تعيد الألق للقطاع الطبي، خصوصاً واننا مقبلون على تبني خطة مهمة ورائدة بتأمين جميع الاردنيين صحياً، وهو عبء مالي وإداري كبير على موازنة الدولة المرهقة والمثقلة بالديون أصلاً، لكن يمكن تجاوز هذه المشكلة من خلال الادارة الحكيمة للقطاع الطبي، والاستعمال الرشيد للمواد والادوية، وهو ما يتطلب تعاون المجتمع اولاً، للحصول على خدمة صحية بجودة عالية.

الدراسات العلمية أظهرت أن جزءاً كبيراً من موازنات الاسر يُخصص للإنفاق على الاحتياجات الصحية، وهو ما يشكل تحدياً للأسر ذات الدخل المتوسط والمحدود، في وقت تنفق فيه الدولة ما قيمته مليارين ونصف المليار دينار سنوياً، لتوفير الخدمات الصحية للأردنيين، وبما نسبته 8.2 بالمئة من الناتج الإجمالي على القطاع، وهي أرقام ضخمة نسبياً، إذا ما تم مقارنتها بأوجه الانفاق الاخرى للدولة، ومن المعروف ان معظم موازنة الدولة الاردنية تذهب للقطاعين الطبي والتعليمي، ولا يمكن التراجع عن مستوى الخدمات في هذين القطاعين، للظروف الاقتصادية والمالية الصعبة التي تمر بها المملكة هذه الايام.

وهنا، قد تبرز إشكاليات كثيرة عند وضع إعادة تقييم ودراسة واقع القطاع الطبي على الطاولة من خلال متخصصين في هذا المجال، لكن من المهم التفكير بتوحيد المرجعيات الادارية والقانونية ذات الصلاحيات لإدارة القطاع الصحي بشقيه العام والخاص، وإختصار عدد الشركاء المشرفين بما يؤدي الى تحقيق النفع للقطاع ومتلقي الخدمة، وترشيد الإنفاق وليس تخفيضه كهدف لعملية الاصلاح، وتعزيز الانجازات التي حققها القطاع على الصعيدين الاقليمي والدولي،والبناء عليها، إذ لا يمكن الحكم عليه من خلال أخطاء قد تقع هنا أو هناك.

وبالمحصلة، يبقى موضوع تطوير القطاع الاستشفائي عملاً تراكمياً مبنياً على الانجازات التي تحققت، خصوصاً في مواجهة وباء كورونا، وقد يكون مجدياً إجراء مراجعة شاملة لأداء القطاع والمقاربات الاصلاحية السابقة والاستراتيجيات الموضوعة للاستفادة من نقاط القوة وتعزيزها، وتحليل وتقييم الوضع الراهن للوصول الى توجهات إستراتيجية جديدة للنظام الصحي الأردني.

imad.mansour70@gmail.com