وليد سليمان

الأديب والمفكر الكبير «عباس محمود العقاد» كتب مقالاً في مجلة الهلال المصرية في ستينيات القرن الماضي يقول فيه:

اول ما يخطر على البال–حين يوجه هذا السؤال الى أحدٍ مشتغلٍ بالكتابة–انه سيقول: انني اهوى القراءة لأنني أهوى الكتابة!.

ولكن الواقع ان الذي يقرأ ليكتب وكفى؛ هو «موصل رسائل» ليس إلا.. او هو كاتب «بالتبعية» وليس كاتبا بالاصالة.

فلو لم يسبقه كُتَّاب آخرون لما كان كاتبا على الاطلاق، ولو لم يكن احد قبله قد قال شيئا لما كان عنده شيء يقوله للقراء.

وانا اعلم فيما اعهده من تجاربي انني قد اقرأ كتباً كثيرة لا اقصد الكتابة في موضوعاتها على الاطلاق!!.

واذكر من ذلك ان أديباً زارني, فوجد على مكتبي بعض المجلدات في غرائز الحشرات!! فقال مستغرباً: وما لكَ انت وللحشرات؟! إنك تكتب في الادب وما اليه، فأية علاقة للحشرات بالشعر والنقد والاجتماع؟!.

ولو شئت لأطلت في جوابه. ولكنني اردت ان اقتضب الكلام بفكاهة تبدو كأنها جواب وليس فيه جواب.

فقلت: نسيت انني اكتب ايضا في السياسة!.

قال: نعم نسيت والحق معك! فما يستغني عن العلم بطبائع الحشرات رجل يكتب عن السياسة والسياسيين في هذه الايام.

والحقيقة كما قلت مراراً ان الاحياء الدنيا هي «مسودات» الخلق التي تتراءى فيها نيات الخالق, كما تتراءى في النسخة المنقحة، وقد تظهر من المسودة اكثر ما تظهر بعد التنقيح.

فاذا اطلع القارئ على كتاب في الحشرات، فليس من اللازم ان يطلع عليه ليكتب في موضوعه، ولكنه يطلع عليه لينفذ الى بواطن الطبائع واصولها الاولى، ويعرف مَن! ثم كيف نشأ هذا الاحساس! او ذاك الاحساس، فيقترب بذلك من صدق الحس وصدق التعبير، ولو في غير هذا الموضوع.

كذلك لا احب ان اجيب عن السؤال كما اجاب قارئ التاريخ في البيت المشهور:

"ومن وعى التاريخ في صدره

اضاف اعمارا الى عمره».

فليست اضافة اعمار الى العمر بالشيء المهم, إلا على اعتبار واحد، وهو ان يكون العمر المضاف مقداراً من الحياة لا مقداراً من السنين، او مقداراً من مادة الحس والفكر والخيال، لا مقداراً من اخبار الوقائع وعدد السنين التي وقعت فيها.

ان ساعة من الحس والفكر والخيال تساوي مئة سنة, او مئات من السنين، ليس فيها إلا شريط تسجيل, لطائفة من الاخبار, وطائفة من الارقام.

***

وكلَّا... لست اهوى القراءة لأكتب، ولا اهوى القراءة لأزداد عمراً في تقدير الحساب.

وانما اهوى القراءة لأن عندي حياة واحدة في هذه الدنيا، وحياة واحدة لا تكفيني، ولا تحرك كل ما في ضميري من بواعث الحركة.. والقراءة دون غيرها هي التي تعطيني اكثر من حياة واحدة في مدى عمر الانسان الواحد.. لأنها تزيد هذه الحياة من ناحية العمق، وان كانت لا تطيلها بمقادير الحساب, ففكرتك انت فكرة واحدة, شعورك انت شعور واحد, خيالك انت خيال فرد اذا قصرته عليك.

ولكنك اذا لاقيت بفكرتك فكرة اخرى، او لاقيت بشعورك شعوراً آخر، او لاقيت بخيالك خيال غيرك.. فليس قصارى الامر ان الفكرة تصبح فكرتين، او ان الشعور يصبح شعورين، او ان الخيال يصبح خيالين.. انما تصبح الفكرة بها التلاقي مئات من الفِكَر في القول والعمق والامتداد.

ففي عالم المشاهدة يجلس المرء بين مرآتين.. فلا يرى انساناً واحداً او انسانين اثنين، ولكنه يرى عشرات متلاحقات في نظره, الى غاية ما يبلغه النظر في كل اتجاه.

وفي عالم العواطف والشعور نبحث عن اقوى عاطفة تحتويها نفس الانسان، فاذا هي عاطفة الحب المتبادل بين قلبين.. لماذا؟!. لأنهما لا يحسان بالشيء الواحد كما يحس به سائر الناس.

لا يحسان به شيئا ولا شيئين، وانما يحسان به اضعافا مضاعفة.. لا تزال تتجاوب وتنمو مع التجاوب, الى غاية ما تتسع له نفوس الاحياء.

هكذا يصبح التقاء مرآتين، وهكذا يصنع التقاء قلبين. فكيف بالتقاء العشرات من المرائي النفسية في نطاق واحد!! وكيف بالتقاء العشرات من الضمائر والافكار!!.

ان الفكرة الواحدة جدول منفصل.. اما الافكار المتلاقية فهي المحيط الذي تتجمع فيه الجداول جميعا، والفرق بينهما وبين الفكرة المنفصلة كالفرق بين الافق الواسع والتيار الجارف، وبين الشط الضيق والموج المحصور.

وقد تختلف الموضوعات ظاهراً او على حسب العناوين المصطلح عليها، ولكنك اذا رددتها الى هذا الاصل كان ابعد الموضوعات كأقرب الموضوعات من وراء العناوين.

اين غرائز الحشرات مثلا من فلسفة الاديان؟. واين فلسفة الاديان من قصيدة غزل او قصيدة هجاء؟. واين هذه القصيدة او تلك من تاريخ نهضة او تاريخ ثورة؟. واين ترجمة فرد من تاريخ امة!.

فظاهر الامر انها موضوعات تفترق فيما بينها افتراق الشرق من الغرب والشمال من الجنوب.

وحقيقة الامر انها كلها مادة حياة، وكلها جداول تنبثق من ينبوع واحد وتعود اليه غرائز الحشرات بحث في اوائل الحياة.

ففلسفة الاديان بحث في الحياة الخالدة الابدية.. وقصيدة الغزل او قصيدة الهجاء قبسان من حياة انسان في حالي الحب والنقمة.

ونهضة الامم او ثورتها هما جيشان الحياة في نفوس الملايين, وسيرة التفرد العظيم معرض لحياة انسان ممتاز بين سائر الناس.

وكلها امواج تتلاقى في بحر واحد، وتخرج بنا من الجداول الى المحيط الكبير.

ولم اكن اعرف حين هويت القراءة انني ابحث عن هذا كله، او ان هذه الهواية تصدر من هذه الرغبة.. ولكنني هويتها ونظرت في موضوعات ما اقرأ, فلم اجد بينها من صلة غير هذه الصلة الجامعة، وهي التي تتقارب بها القراءة عن فراشة تطير، والقراءة عن المعري وشكسبير.