م. محمد ابوشمله مستشار السلامة والصحة المهنية مؤسسة التدريب المهني

تعنى السلامة العامة بالمحافظة على العنصر البشري بشكل عام بحيث يكون الانسان في مأمن من المخاطر سواء في العمل ، المنزل ،الطريق أو

في اي مكان يتواجد فيه مثل الجامعات والمعاهد التعليمية والتدريبية وغيرها. ومن هنا برز علم السلامة والصحة المهنية بالظهور لينظم وظائف ومسؤوليات الموظفين والعمال في مواقع العمل والمواقع الانتاجية وتطور هذا العلم ليخرج على شكل كودات ومعايير ومواصفات إدارية وفتية في إطار تشريعي منها الدولية والمحلية بهدف وضع مجموعة من الإجراءات الوقائية لمنع وقوع حوادث وإصابات العمل .

تضع الدول ضمن استراتيجياتها في التخطيط أمن وسلامة الاشخاص وخاصة استراتيجية ادارة الكوارث والأزمات والتي تتضمن السلامة والصحة المهنية أثناء حدوث أي طارئ وخطط ذات بدائل مدروسة بشكل مناسب من أجل السيطرة على عدم تفاقم أي حالة طارئة قصيرة أو طويلة الأمد في جميع مناحي الحياة وخاصة القطاعات الإنتاجية والتحكم بها منعاً للخسائر المادية والجسدية .

وبعد اكتشاف مرض كوفيد – 19 في كانون أول عام 2019، وبسبب أعراضه الصحية الشديدة وسرعة انتشاره وتحوله من وباء الى جائحة، وُضع العالم أمام تحدٍ من أجل مكافحته وإيجاد طرق لكيفية التعامل والتعايش معه قبل اكتشاف أي مطعوم مضاد له حيث جعل العالم يسخّر كل امكاناته الاقتصادية والطبية لمنع انتشاره والقضاء عليه و سبب بكلف اقتصادية واجتماعية كبيرة . وفي ظل انتشار هذا الفيروس برزت الحاجة الى وضع معايير وتعليمات خاصة بالسلامة والصحة المهنية المتعلقة بحماية المجتمع والعاملين في جميع القطاعات حسب المواصفات والمقاييس العالمية .

يعتبر قطاع التعليم والتدريب المتمثل بالجامعات والمعاهد والمراكز التعليمية والتدريبية والمدارس من القطاعات التي تأثرت بسبب الجائحة حيث سببت تهديداً واضطراباً وأزمة تعليمية عالمية تمثلت في انقطاع الطلاب والمتدربين عن التعليم والتدريب الوجاهي مما افقدهم تلقي المعلومات النظرية والمهارات التدريبية المباشرة من المحاضر أو المدرب مما أدى الى اضطرار جميع الجهات التعليمية والتدريبية الى التعليم والتدريب عبر الانترنت وعن بعد مسبباً تراجع في مستوى التعليم والتدريب بنسب متفاوتة .

في هذا المقال سوف استعرض دور علم السلامة والصحة المهنية في قطاعي التعليم والتدريب لثلاثة مراحل بدءاً بالمرحلة الأولى لبيان دور السلامة قبل الجائحة ودور السلامة في المرحلة الثانية أثناء الجائحة والتحديات التي يمكن أن تواجهنا وكذلك ما هو مطلوب منا في المرحلة الثالثة بعد الانتهاء من الجائحة من أجل وضع أنظمة وتعليمات سلامة وصحة مهنية تكون جاهزة في حال وتطور الجائحة أو توقفها وظهورها مرة ثانية أو توقفها تماما استنادا الى كيفية ادارة منظومة الانتشار في المرحلة الثانية .

- المرحلة الاولى والمتعلقة بالسلامة والصحة المهنية في قطاعي التعليم والتدريب قبل حدوث الجائحة

فقد كانت تحكمها قوانين وأنظمة وتعليمات صادرة عن الجهات التعليمية والتدريبية وبعضها جاء على شكل ارشادات وقواعد للمتعلمين والمتدربين اثناء تواجدهم في أماكن التعليم والتدريب بحيث تضمن سلامتهم وعدم تعرضهم لأي طارئ أو حادث ربما ينجم عنه اصابات ، ومن خلال احصائيات حوادث واصابات العمل وحسب التقارير السنوية الصادرة عن مؤسسة الضمان الاجتماعي في الاردن فان عدد الاصابات الناجمة عن الحوادث في القطاع الاكاديمي قليلة أما القطاعات ذات التطبيقات العملية فيوجد آعداد اصابات تتفاوت حسب التخصصات .

ومن الاجراءات الوقائية والاحتياطات المتعلقة بالسلامة والصحة المهنية ذات الأهمية في هذا القطاع :

-تأمين المتدربين ضد الحوادث اثناء التطبيقات العملية.

-توفير بيئة تعليمية وتدريبية آمنة خالية من المخاطر.

-وجود نظام ادارة سلامة وصحة مهنية جنبا الى جنب للمواد التعليمية.

-تعيين مشرف سلامة وصحة مهنية للإشراف على امور السلامة والصحة المهنية ومتابعتها.

-توفير وسائل السلامة اللازمة مثل انظمة الانذار ومكافحة الحرائق وخطط الاخلاء.

-توفير معدات الوقاية الشخصية للطلاب والمتدربين.

-توفير اللوحات الارشادية والملصقات وتعليمات التشغيل والتدريب.

-تدريب الطلاب والمتدربين على امور السلامة والصحة المهنية.

-التقيد واتباع تعليمات السلامة والصحة المهنية في بيئات التعليم والتدريب المختلفة.

وعادة تتباين نسبة الالتزام باشتراطات السلامة والصحة المهنية من جهة تعليمية أو تدريبية إلى أخرى في القطاعين العام والخاص بسبب عدم شمول مؤسسات القطاع العام بالتفتيش من الجهات التفتيشية الرسمية وبسبب تصنيف هذا القطاع بانه عادي الخطورة مهنيا بالنظر الى طبيعة العمل المنجز مقارنة مع القطاعات الصناعية والانتاجية الأخرى .

المرحلة الثانية - المرحلة الانتقالية وظهور جائحة كورونا

حيث وضعت العالم أمام تحدٍ كبير يتمثل في التغلب على أزمة التعلم واستدامة العمل مع أقل عدد محتمل من المصابين في جميع القطاعات الانتاجية ومنها قطاع التعليم والتدريب الذي تأثر لأسباب كثيرة منها عدم الاستعداد الجيد لمواجهة مثل هذه الأوبئة وعدم وجود خطط بديلة لاستمرار العملية التعليمية والتدريبية وكيفية التصدي للجائحة وهنا قامت الجهات المعنية بالعمل الجاد للحيلولة دون التوقف عن التعليم والتدريب وذلك باستحداث طرق عبر الانترنت والتعليم عن بعد وذلك عن طريق تصميم المنصات التعليمية عبر تطبيقات الكترونية متعددة منها المجاني ومنها مدفوع الأجر حيث ساهم هذا النوع من التعليم في استدامة التعليم واعطاءه الأولوية في هذا الظرف الاستثنائي الذي يمر به هذا القطاع .

وفي هذه المرحلة برز دور السلامة والصحة المهنية لفترتين زمنيتين مهمتين ، الفترة الأولى وهي فترة الانقطاع عن التعليم والتدريب عن قرب وبدء التدريب عن بعد عبر المنصات الألكترونية التعليمية حيث اقتصر دور الجهات المعنية في السلامة والصحة المهنية على وضع تعليمات وقائية لمنع العدوى المتبادلة بين الناس وكذلك وضع أدلة ارشادية ملزمة للعديد من التخصصات والمهن لتكون جاهزة للتطبيق للمرحلة الثانية وهي العودة إلى العمل ومنها الصادرة عن وزارة العمل مثل دليل إجراء العمل لتدابير السلامة والوقاية الصحة المتبعة للحد من انتشار فايروس كورونا والدليل الشامل لإجراءات العمل لتدابير السالمة والوقاية الصحية للحد من انتشار فايروس كورونا وكذلك تعميم الاجراءات الواجب اتخاذها في القطاع الخاص للوقاية الحد من انتشار فايروس كورونا ونقل العدوى في أماكن العمل حيث تم تعديل اخير لهذه الادلة في شهر 8/2020 حيث خطت بعض المؤسسات التعليمية والتدريبة بنفس الخطى نحو وضع أدلة السلامة والصحة المهنية بعد قرار العودة إلى التعليم والتدريب مثل وزارة التربية والتعليم ومؤسسة التدريب المهني وبعض الجامعات وغيرها .

وفي خضم معترك اصدار أدلة وتعليمات توازن ما بين السرعة في الانجاز وطرحها حيز التنفيذ كان لا بد من الاجابة على السؤال : ماذا يجب علينا معرفته وما هي إجراءات ومتطلبات السلامة الذي يجب اتخاذها في ظل جائحة كورونا ؟ وانطلاقاً من تعدد منظومات التعليم والتدريب واعتبار اأن التعليم والتدريب هي مواقع انتاجية والتخوف من أن التعليم والتدريب عن بعد لن يعطي النتائج المرضية مقارنة بالتعليم والتدريب عن قرب إلا أن بعض المؤسسات التعليمية والتدريبية حققت نتائج متواضعة آخذين بعين الاعتبار ان هذا النوع من التعليم والتدريب جديد على العالم نوعا ما وقابلية تطويره أصبحت ملحة وهنا لعب علم السلامة والصحة المهنية الدور الأبرز في ظل هذه المرحلة باعتباره المرشد والدليل والمنارة التي يمكن الاسترشاد بها والذي ينظم اجراءات التعليم والتدريب والحفاظ على استدامتهما وتحقيق أقصى مؤشرات الاداء من خلال الامتثال لمتطلبات واجراءات السلامة والصحة المهنية .

ومن التحديات التي رافقت هذه المرحلة ومن منظور السلامة والصحة المهنية والتي يمكن عكسها على العمليات التعليمية والتدريبة في أنها تمثلت في صعوبة تحقيق الأهداف المرجوة من التعليم والتدريب عن بعد بسبب بعض المعيقات الاقتصادية وتوفر الوسائل المتاحة والذهنية وطريقة التفكير لفهم ثقافة الوقاية والاجراءات الاحترازية للوقاية والحماية اثناء عمليات التعليم والتدريب .

وبالنظر الى انكماش وتراجع الأوضاع الاقتصادية وتدني الدخل رافقت هذه المرحلة مخاطر مهنية كثيرة منها المخاطر النفسية والتي تمثلت في الخوف من الجائحة والتوتر والاجهاد والقلق وكيف سيكون الوضع في المستقبل بالإضافة الى مخاطر اخرى لها تأثيرات سلبية على عمليتي التعليم والتدريب وهنا يمكن حصر أهم المعيقات والتحديات وكذلك الصعوبات اثناء عمليات التعليم والتدريب :

- قلة الوعي وعدم فهم خطورة الجائحة ومؤشرات انتشار الفايروس.

-عدم وجود خطط تعليمية وتدريبية بديلة تكون جاهزة عند اللزوم.

-عدم توفر الامكانيات المالية والفنية للبعض للتعلم والتدريب عن بعد.

-عدم اتباع تعليمات السلامة والصحة المهنية بسبب قلة التأهيل والتدريب قبل وأثناء الجائحة.

وبعد الرجوع والاطلاع على ما قامت به الجهات التعليمية والتدريبية الدولية من إجراءات سلامة وصحة مهنية أثناء التعليم والتدريب عن بعد وعن قرب وبعد الاطلاع ايضا على واقع السلامة والصحة المهنية في مؤسساتنا التعليمية والتدريبية وانسجاما مع أوامر الدفاع وبلاغات رئاسة الوزراء وارشادات وزارة الصحة وعند الرجوع الى التعليم والتدريب عن قرب وبحد أعلى 50% للتدريبات النظرية والعملية أصدرت جهات دولية ومحلية أدلة تحتوي على ارشادات وتعليمات السلامة والصحة المهنية تحتوي على متطلبات الزامية لا بد من توفيرها على النحو التالي :

-توفير خطة سلامة وصحة مهنية تنسجم مع واقع التعليم والتدريب في كل مؤسسة.

-توفير دليل سلامة وصحة مهنية معد من خبير في السلامة والصحة المهنية.

-تعقيم وتطهير اماكن التعليم والتدريب باستمرار.

-توفير معدات الوقاية الشخصية مثل ملابس العمل والكمامات والقفازات.

-توفير مواد التعقيم والتطهير ومقياس الحرارة.

-المحافظة على التباعد الاجتماعي ومنع المصافحة والتقبيل والاختلاط مع الآخرين في نفس المكان.

-عقد دورات وندوات توعوية تدريبية عن الجائحة وتجنب الاصابة والعدوى.

-ضرورة التقيد بشروط السلامة والاجراءات الاحترازية والوقائية والزام الجميع بارتداء الكمامات والقفازات الطبية.

-التعاون مع فرق التقصي الوبائي وعمل الفحوصات عند اللزوم .

وفي هذه المرحلة ايضا لا بد من تقييم مؤشرات الاداء وكذلك برامج السلامة والصحة المهنية التي تم استخدامها أثناء التعليم والتدريب في ظل الجائحة للوقوف على نقاط القوة والضعف لغايات تصويبها والتي كان بالإمكان تحويل صعوبات التعليم والتدريب فيها الى فرص .

المرحلة الثالثة الاخيرة وتتعلق بدراسة الازمة بجدية واستقراء المستقبل

وهنا كما أسلفنا وفي حال وتطور الجائحة أو توقفها وظهورها مرة ثانية أو توقفها تماما وحيث أن في هذه المرحلة تتم جمع بيانات كل ما واجهنا فترة ظهور الجائحة ودراسة جميع نقاط القوة والضعف لجميع الاجراءات التي تم تنفيذها ومراجعتها من أجل تحليلها وتقييمها بشكل موضوعي وعلمي وبعيداً عن إبراز البطولات ويتم ذلك بعد تشكيل لجنة مختصة مكونة من كافة مؤسسات الدولة وأحد مكوناتها الرئيسية خبراء في السلامة والصحة المهنية من أجل تطوير وتحديث الخطط المستخدمة حاليا ووضع خطط مستقبلية شاملة ومدروسة ذات بدائل لإدارة أزمة الجائحة او جائحة أو وباء آخر .

وهنا يمكن دمج كل فترات الجائحة في هذه المرحلة من أجل الاسراع في وضع نظام السلامة والصحة المهنية حتى عند قراءات تعافي الاقتصاد العالمي والذي سينتج عنه ايضا تعافي منظومة التعليم والتدريب .

وبناء على ما ذكر يمكن وضع تصور مقترح للتدخل لتطبيق معايير واجراءات السلامة الصحة المهني وإحداث التنمية البشرية والمساهمة في استدامة منظومة التعليم والتدريب في ظل وبعد جائحة كورونا او غيرها في إطار تشريعي بحيث يتم تنفيذه والاشراف على حسن التنفيذ الحصول على النتائج المرجوة ويمكن تحقيقها جنبا الى جنب عند تنفيذ استراتيجيات التعليم و التعليم عن بعد .

حيث يمكن تلخيص هذا التصور المقترح على شكل بنود مختصرة بما يتناسب مع البيئة التعليمية والتدريبية في الاردن :

-تشكيل فريق من خبراء السلامة والصحة المهنية من قطاع التعليم والتدريب من كافة الفئات الاكاديمية والتدريبية بالتعاون مع الجهات ذات العلاقة.

-وضع استراتيجية شاملة للسلامة والصحة المهنية في قطاع التعليم والتدريب تنظم استدامته في ظل اي أزمة او كارثة او جائحة.

-تأسيس موقع معلومات للسلامة والصحة المهنية متاح لجميع العاملين في هذا القطاع.

وأمام جميع الجهات المعنية توضع مهمة التغلب على هذه الازمة التي نواجهها جميعا والتحدي الماثل اليوم يتلخص في التعافي والحد من الآثار السلبية لهذه الجائحة على التعلُّم والتعليم ما أمكن، والاستفادة من هذه التجربة للعودة إلى مسار تحسين التعلُّم بوتيرة أسرع ، ويجب على الأنظمة التعليمية مثلما تفكر في التصدي لهذه الأزمة أن تفكر أيضاً في كيفية الخروج منها وهي أقوى من ذي قبل وبشعور متجدد بالمسؤولية والمسائلة من جانب جميع الأطراف المعنية الفاعلة فيها وبإدراك واضح لمدى إلحاح الحاجة إلى سد الفجوات في فرص التعليم وضمان حصول الجميع على فرص تعليم جيد متساوية وللسلامة والصحة المهنية دور كبير في تحقيق ذلك .