تتطلع الرؤية الملكية إلى تأسيس علاقة من الشراكة والتعاون البناء بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وفي الوقت ذاته، تؤكد ضرورة الفصل بين السلطات لتمكين كل من الحكومة ومجلس الأمة بغرفتيه من أداء الأدوار المنوطة بهما لخدمة المواطن الأردني، وتحضر المرجعية الملكية لتكون العامل الوازن لتوجيه هذه المنظومة، والتدخل لإصلاح أية اختلالات، وحرصاً على تطوير البنى السياسية وإمضاء الإصلاح السياسي إلى مداه المرتقب، فإن الرسائل الملكية عادةً ما تحمل بعداً يمكن قراءته من محتواها، وبعدًا آخر، يكمن في الظروف والتوقيت والسياق، وفي لقاء جلالته بالأمس مع رئيسي مجلسي الأعيان والنواب وأعضاء المكتبين الدائمين في المجلسين يمكن الوقوف عند التوقيت الذي أتى بعد الانتهاء من التصويت على الثقة بحكومة الرئيس بشر الخصاونة.

توقيت اللقاء يؤكد رغبة الملك في تأكيد استقلالية المجلس في التعامل مع اختبار الثقة، وهو الاختبار الذي تواجهه الحكومة بنفس القدر الذي يواجهه المجلس حيث تابع الأردنيون كلمات النواب عبر شاشات التلفزة والتغطيات الإعلامية المختلفة، واستطاعوا أن يبنوا تصوراً عن المجلس وأعضائه الذي يشكل الأعضاء الجدد أغلبيته، ويمكن أن أجواء الارتياح التي ترافقت مع حصول الحكومة على ثقة منطقية في ظل الظروف الراهنة كانت تعكس نفسها أيضًا في الاجتماع مع سيد البلاد في قصر الحسينية حيث أكد جلالته أهمية مدونة السلوك المرتبطة بعمل مجلس الأمة في تعزيز ثقة المواطن في البرلمان، والتي تعتبر متطلباً جوهرياً لتأسيس حالة من الاندماج في المشاركة السياسية بالمستوى المأمول.

وجه جلالة الملك ممثلي مجلس الأمة إلى التوقعات التي يحملها المواطن الأردني بخصوص مجموعة من القوانين التي تتطلب التركيز من أعضاء المجلس ليتم إنجازها بالصورة المناسبة وفق الأولويات الوطنية، وهي الرسالة التي التقطها رئيس مجلس الأعيان الذي وضع مصلحة المواطن بوصفها المعيار الأساسي في الحكم على عمل مجلس الأمة، وبدوره كان رئيس مجلس النواب يؤكد استيعاب دور مدونة السلوك وتطبيقها على الجميع ليتمكن المجلس من الارتقاء إلى مستوى المسؤوليات المناطة به وما يتطلع له الملك ومعه المواطنون الأردنيون الذين ينتظرون مزيداً من العمل في هذه المرحلة، لا سيما والأردن يواجه مجموعة من التحديات والفرص الكبيرة في هذه المرحلة، والإبطاء والتسويف والمزاحمة غير البناءة كلها أمور من شأنها أن تعطل مسيرته في مرحلة مهمة ومفصلية.

التوقيت مرة أخرى يحضر والمجلس يخوض جلساته لمناقشة الموازنة التي يمكن وصفها بالأصعب في تاريخ المملكة لتحضر روح المسؤولية لدى النواب، فالملك يتطلع لأن تكون هذه البداية الصعبة والتي يثق في إمكانيات وقدرات الأردن على تجاوزها بأفضل صورة ممكنة تأكيدًا على عراقة المملكة وخبرتها الوطيدة في مواجهة التحديات بعد مئة عام من البناء والإنجاز، وأن يكون هذا الاختبار مفتتحًا لمئوية جديدة سيتمكن الأردن بحكمة قيادته وعزيمة شعبه من مواصلة انجازاتها خلالها.