أبواب  -  زياد عساف

وقال الراوي يا سادة يا كرام إنه وما أن ظهرت نانسي عجرم بفيديو كليب(آه ونص) مرتديةً (المنديل أبو أويه) حتى تسارعت النسوة على شراء المنديل ليزداد الطلب فجأة على هذا الزي الشعبي العريق ويعود مرة أخرى للواجهة بعد أن ظل ولسنوات طويلة مركوناً على أرفف المحلات، ولم يعد تاجاً انثوياً كماسبق حين تزينت به نجمات السينما العربية أمثال سعاد حسني وهند رستم وصباح.

وإن كان من فائدة تذكر لهذا (الفيديو) فلقد نفض الغبار عن ذاك المخزون التراثي من الأعمال التي تغنت بالأزياء الشعبية،وخلاصة القول فلقد رددت نانسي ضمن سياق الأغنية (إهدا حبيبي كده..وارجع زي زمان)، حسناً.. سنعمل بنصيحتها ونعود لزمان،ولكن لزمن الصور الغنائية الجميلة المتميزة بتوظيفها للملابس الشعبية والأزياء التقليدية في الأغاني الفلوكلورية وما تعكسه من دلالات ومعان ساهمت في إحياء القيم الإنسانية وتعزيز الانتماء بالهوية الحضارية العربية الممتدة منذ الآف السنين.

فنون شعبية..

ما يدعو للتفاؤل أن نصف الكأس الممتلىء يشير بأن الأزياء الشعبية لم تنقرض نهائياً كما يروج الكثيرون بل لازالت تفرض حضورها في أكثر من بلد عربي، ويرتديها الناس في أماكن عملهم، وبالمناسبات الاجتماعية التي تضمهم وتحديداً في البلاد ذات الأصول القبلية التي تعتز بالثوب المتوارث من الأجداد مثل اليمن وليبيا ودول الخليج العربي،وبقيت حاضرة في تونس والمغرب والجزائر في المناسبات العائلية والوطنية لتذكير المستعمر بإخفاقه في انتزاع الهوية الثقافية لهذه البلاد.

وسنبقى مدينين في الوقت نفسه لرواد الفن والموسيقى العربية الذين وظفوا اللباس الشعبي وتغنوا به في الدراما الغنائية السينمائية والمسرحية والتلفزيونية أيضاً، بالإضافة لفرق الفنون الشعبية التي مازالت خير سفير لأوطانها في الخارج وهي تطل على الجمهور بأزياء بلادها التقليدية المتناغمة مع روح ومضمون الاستعراضات الغنائية لهذه الفِرَق، والأمثلة كثيرة بهذا الصدد ومنها فرقة كركلا اللبنانية، وفرقة رضا للفنون الشعبية والتي أطلت على جمهور الحضور في كل بلاد العالم بالأزياء التراثية الخاصة بجميع المحافظات المصرية وبعض الدول العربية مثل ليبيا والسودان.

يا ولد لفلك شال..

تتشابه الملابس الشعبية في معظم البلاد العربية فيما يتعلق باللون والتطريز والتفصيلة مع اختلاف بسيط في بعض التفاصيل البسيطة بين دولة وأخرى، والاعتزاز باللباس العربي أخذ عدة أشكال كان من ضمنها التغني بالأزياء الشعبية،وسارت على هذا النهج الدول العربية كلها دون استثناء. وتكمن الأهمية أن هذه الأغاني حملت دلالات كثيرة عبرت عن نمط التفكير والنهج الإجتماعي وما يتضمنه من عادات وتقاليد بالإضافة لتجسيد الواقع السياسي والاقتصادي لشعوب المنطقة عامة.

ففي أواسط ستينيات القرن العشرين وعلى سبيل المثال قدم الفنان السوري رفيق السبيعي أبو صياح أغنية مطلعها: «يا ولد لفلك شال.. وتعلم شغل الرجال»، وجاء الشال هنا تجسيداً لمعنى الرجولة التي يعتز بها كل عربي ما جعل هذه الأغنية تحظ بشهرة واسعة ايضاً وتتردد على ألسنة الناس في سوريا ولبنان والأردن وفلسطين.

ولشروال جده غنى طوني حنا:

«شروال جدِّك يا جدِّي مرقَّع لكن بيهدّي

و بعده معلَّقْ من إيام جدو لجدَّك يا جدِّي ».

و يبرز الشروال في هذه الأغنية كما نرى كتعبير عن الحنين لزمن الأجداد وما يحمله من قيم بدأت تتلاشى.

طربوش نصري..

وفي أكثر من صورة غنائية جاء توظيف الطربوش تعبيراً عن الأفكار القديمة التي لم تعد صالحة مع تقلبات الزمن وورثاء حال أصحابها الذين أصبحوا في مصاف (الدراويش) وباتوا يشعرون بالغربة وسط الأجيال الحديثة، ومن الأمثلة على ذلك أغنية جوزيف صقر وهو يعاتب ليلى التي تغيرت بعد أن جرفها تيار العولمة:

«الحالة تعبانة يا ليلى خطبة ما فيش

انتي غنية ياليلى ونحنا دروايش

احتاروا فيكي حيروكي ظلوا حتى غيروكي

لبَّسوكي تاج ملوكي ونسيتي أهل الطرابيش».

الفنان نصري شمس الدين اشتهر بالطربوش في معظم أعماله مع الأخوين رحباني، عاش هذا الموقف عندما اشتد خلافه مع الرحابنة وقرر الانسلاخ عن الفرقة ولم يجد أفضل من خلع الطربوش للتعبير عن هذا الموقف معلناً عن بداية جديدة استهلها بالظهور للجمهور بالبدلة والكرافته، وقدم حينها أغنيته الشهيرة التي سجلها في استوديوهات التلفزيون الأردني أوائل الثمانينيات موجها للرحابنة من خلالها رسالة حزينة موجعة باطنها العتاب:

«دقينا ما ردوش اهتدَّينا ما اهتموش

تركوني لحالي لحالي

غنِّي الليالي بالليالي

خلوني بالعالي.. إرمي إرمي.. إرمي هالطربوش».

الغاوي ينقَّطْ بطاقيته..

«طاق.. طاق.. طاقية.. رن..رن ياجرس»، أغنية من التراث الفلسطيني لطالما رددها أطفال بلاد الشام في ساحات المدارس ضمن حصص الرياضة والألعاب، ليكون الحضور الأول للطاقية في ذاكرة أجيال عديدة، عزز هذه الذاكرة أغنية صباح الشهيرة (الغاوي ينقط بطاقيته)، وكما أشرنا في مقال سابق هذا العنوان هو بالأساس لمثل شعبي متداول في مصر وجاء كناية عن الذي يعشق الإستماع للمغنين وملزم أن يقدم (النقوط) للمطرب بعد إنتهاء الوصلة ولايملك النقود فيقدم له الطاقية التي يملكها تعبيراً عن إعجابه بصوته وأدائه وبالتالي هذه صورة غنائية أخرى تؤكد ارتباط الطاقية بالتراث الغنائي الشعبي، وظل (أبوالطاقية) صاحب النصيب الأكبر في الأغاني الفلوكلورية المصرية، ومنها: (يا بوالطاقية الشبيكة مين شغلهالك.. شغلت أهل البلد ولا انشغل بالك) للمطربة حورية حسن، ومن ألحان سيد مكاوي غنى فهد بلان (يابو الطاقية الشبيكة والحزام.. قاضي الغرام قال لنا ردوا السلام)، صباح (يابوالطاقية انا قلبي معاك).

عَوَجْ الطاقية..

وفي لغة الجسد فإن وضع الشاب للطاقية على الرأس بطريقة (معوجَّة) إشارة بأنه عاشق ويتباهى بنفسه، وحضرت هذه الصورة في أعمال عدة كرائعة سيد درويش (طلعت يا محلا نورها): (قاعد ع الساقية خلِّي اسمر وحليوه.. عَوَج الطاقية وقال لي غنِّي غنيوه)، عفاف راضي (عَوَج الطاقية الولا وبص ليَّا.. وقال كلام في الهوا ورماه عليَّا)، نجاح سلام (يا واد ياحتة سكَّره.. يابو الطاقية مشجَّرة.. عَوِج الطاقية ورايح فين.. عندك ميعاد بحر البلد.. ولا انت بتشم الهوا؟).

ولا بد من التوقف عند أغنية فايزة أحمد (آخد حبيبي) كلمات مجدي نجيب وألحان محمد سلطان، وتحديداً عند مقطع (غزلاله ياما بإيدي الطاقية.. وازاي ياما ما يلبسهاش)، وتبرز هنا مدى قلقها من أن لا يلبس حبيبها الطاقية التي غزلتها له، لأنها في اللاشعور كانت تغزل احلامها ومشاعرها التي اختزلتها في الطاقية.

يا ام العباية..

التغزل بالمنديل كان واحداً من وسائل التواصل مع المعشوق في الأغاني الشعبية، وفي ذلك غنى عبد العزيز محمود (منديل الحلو يا منديله.. على دقة قلبي بغنيله)، ومن الأردن توفيق النمري (شيلي منديلك شيلي.. وبرمش عيونك ناديلي)، الألبسة النسائية في تراثنا الغنائي كانت المعادل الموضوعي لعزة المرأة وأخلاقها، كأغنية سهام رفقي الشهيرة (يا ام العباية حلوة عباتك.. جمالك آية زينة صفاتك)، وتشير هنا لارتباط الصفات الجميلة للمرأة بالعباءة، ومن خلال (الملاية) عبّر عبد العزيز محمود عن الحشمة والرزانة لدى من ترتدي هذا اللباس:

«يا ام الملاية معطرة

حلوة يا خفِّة يا سكَّرة

الحشمة في مشيتك

والدنيا بيكي منوَّرة»

العقال المايل..

ارتبط عقال الرأس بالرجولة ورباطة الجأش، وقد تغنى بهذا المعنى كثير من المطربين والمطربات ومنهم الفنان البحريني ابراهيم حبيب:

«عدِّلْ عقالك زين يا ابن الحمولة

حكين حكيته وياك بالك تقوله

منهو انجبر مثلي وصَبَرْ

ومن القهر دمعي عَبَر».

وضعية العقال على الرأس تحمل معان ودلالات , ومنها (العقال المايل) الذي يشير للتباهي والزهو أيضاً، وفي واحدة من الأغاني الوطنية الأردنية انطبق هذا الوصف على عمَّان وجبالها السبعة في أغنية (صبري وغادة محمود) ومطلعها:

"عمَّان هلالك طالع فوق الجبال

يا جبال السبعة اللي عجبينها مايل العقال

يا هبوب الريح ما تهبي حاميكي رجال».

إحلق يا حلاق..

حالة من التداخل بين أغاني الأعراس الشعبية والأزياء التقليدية لم تغب عن هذا اللون من الغناء، ونستعرض هنا بعض النماذج ومنها يغني العامة في أعراس بلاد الشام:

(يا عريس يا بو الحطة.. ومنين صايد هالبطة)، طروب (ياختي خطبوني خطبوني.. ياختي لما شافوني.. لما شافوني بثوب المقصَّب.. لابسة ع راسي الطرحه الليموني)، ومن مصر ليلى نظمي (ادلع يا عريس يابو لاسه نايلون)، كارم محمود (الشال ده انا مخليه.. ليلة الفرح أهديه.. واشعل قناديلي.. يا حلو ناديلي)، ومن أغنية يا رايحين الغورية لمحمد قنديل (هاتوله توب القصب يليق على رسمه.. وانقش عليه العجب واكتب عليه رسمه.. والطرحة ويا الشال وإسوارة وخلخال)،خضرة محمد خضر (قبض الحلو الجمعية.. دفعلي خياطة الجلابية)، ومن الفلوكلور الفلسطيني وهم يغنون لحلَّاق العريس:

«احلق يا حلاق وامسحلو بعباته

وتمهل يا حلاق تاييجوا خواته

احلق يا حلاق وامسحله بشاله

وتمهل يا حلاق تا ييجوا خواله

احلق يا حلاق وامسحله بقنبازه

وتمهل يا حلاق تا ييجولو عزازه».

بساط الريح..

كثيرة هي الروابط التي تجمع أبناء الشعب العربي، وتعتبر الملابس كما أشرنا عنصراً هاماً بهذا الخصوص، وهذا ماحرص عليه نجوم الغناء زمان إذ كانوا كلما توجهوا لإقامة حفلاتهم في بلد عربي ما يبادرون بالإطلالة على جمهور الحضور بالزي الشعبي للبلد المضيف، يؤكد ذلك أرشيف صورهم القديمة ومنها صور من حفل لعبد الحليم باللباس التونسي والكويتي والسعودي، وكذلك أم كلثوم نجد لها صوراً فوتوغرافية من بعض حفلاتها باللباس السوداني والكويتي.

وعندما تغنى فريد الأطرش بالوحدة العربية في أوبريت (بساط الريح) من فيلم (اخر كذبة) 1950، تضمنت الأغنية مشاهد لفريد وعصمت عبد العليم واسماعيل ياسين والفرقة المشاركة وهم يرتدون الزي السوري والعراقي والتونسي والمغربي والمصري تأكيداً على روح الوحدة التي تجمع الشعب العربي بكافة الأقطار.

قفطان..

وبفيلم (إبن للإيجار) 1953 ظهر محمد فوزي بالقفطان المغربي وهو يغني (ويلك يا مشتاق) وصاغ اللحن بإيقاع موسيقي مغربي أيضاً، وعلى مسارح دمشق أوائل الستينيات غنت نجاة للعروبة (عيشي لكل الشعب العربي) بمرافقة فرقة أمية للفنون الشعبية السورية وهم بالزي الفلكلوري السوري، ومن برنامج (عالم الإستعراض) الذي أنتجه التلفزيون الأردني عام 1973 غنى المطرب محمد عبد المطلب (يا بو العيون السود) بمرافقة فرقة الفنون الشعبية الأردنية وبالزي التراثي الأردني أيضاً.

خلطبيطة..

حالة الإنسلاخ عن الهوية والتأثر بالغرب عبرت عنه مجموعة من الأغاني بدلالة لباس الأجداد الموروث منذ مئات السنين، من فيلم (بنت الجيران) 1953 وعندما تخلى عمر الجيزاوي عن اللباس الصعيدي وارتدى البدلة والكرافته غنت له شادية متهكمة (من بعد طاقية وجلابية.. زودت يا افندي الافندية)، وعندما وصلنا لحالة التداخل بين اللباس الغربي والشرقي عاد رفيق السبيعي ليغني مستنكراً (ليش هيك صار معنا.. ليش يا حبوب؟.. عشنا وشفنا بوقت واحد شروال وميني جوب !)، وعندما أصبحنا نستورد ملابسنا الشعبية من دول آسيا غنى ياسر العظمة في مسلسل مرايا مستهجناً (الأوروبي يا خالي عم بيلبسني عقالي.. الجلابية شغل الصين والكوفية من تايوان!)، وعن هذه (الخلطبيطة) غنى مارسيل خليفة: (على الماني ع الماني..مغرم بالطقم الطلياني..فوق الشروال العثماني..عمِّرها عمِّر عمِّرها..عمِّر والحالة خربانة!).

ثياب القصب..

وفيما يتعلق بالجانب الاقتصادي فلطالما عبرت الملابس عن الحالة الاقتصادية للفرد والتباين الطبقي بين الناس، فأزياء القصب هي انعكاس لثراء وجاه من يرتديها، ومن الصور الغنائية الشامية القديمة بهذا الخصوص استمعنا لحكاية شاب فقير يهوى فتاة غنية ممن يرتدين أزياء باهظة الثمن ولم يكن بوسعه سوى بث شكواه بالغناء:

«يا هويدَلَكْ يا هويدلي

يا ام العيون عيون مكحَّله

يالابسة ثياب القصب

وانا قميصي والله مش إلي.. والله مش إلي!».