رغم أن العودة للتعليم الوجاهي كانت مطلبا ملحا لدى غالبية أولياء الأمور وكثير من المختصين والمراقبين، إلا أن إعلان وزارة التربية والتعليم عن قرار العودة التدريجية للمدارس نهاية الأسبوع الماضي لم يقابل بترحيب يتناسب مع حجم المطالبات به.

السبب وراء ذلك ليس مزاجية الشعب الأردني أو أنه لم يعد يعجبه شيء آت من جهة الحكومة كما يقول البعض، وإنما هو عائد لعدم تلمس الجدية الكافية لدى وزارة التربية والتعليم للتعامل مع هذه العودة وهو ما يمكن إدراكه من ملاحظة إهمال الوزارة للعديد من التفاصيل الحرجة والتحديات الكبيرة التي ستواجه عملية العودة.

الوزارة أصدرت البروتوكول الصحي للعودة للمدارس لتقنعنا بجاهزيتها واكتمال استعداداتها لهذه العودة، لكن هذا غير كافٍ لنصدق أن العودة مدروسة طالما أننا لم نسمع حتى اليوم عن تقييم علمي وحقيقي لعملية التعليم عن بعد تستطيع الوزارة من خلاله أن تقيس بدقة حجم الخسارات الكبيرة في تحصيل طلبة المراحل الدراسية عموما، ناهيك طبعا عن الكارثة التي حلت بطلبة الصفوف التأسيسية الذين تصل مؤشرات الخسارات لديهم إلى مستويات خطيرة جدا.

هذا الأمر لا ينبغي النظر إليه كما لو أنه مجرد غياب الطالب عن عدد من الحصص الصفية، أو كما لو كان عدم فهم الطالب لعدد من الدروس التي يحتاج من أستاذه مزيدا من التوضيح حولها. هذا الأمر يجب أن يتم التعامل معه وفق خطة منهجية وعملية، تتضمن أهدافا محددة مبنية على نتائج تقييم المرحلة السابقة، وآليات واضحة لتحقيق الأهداف، وأدوات قياس معيارية لتقييم الإنجاز.

للأسف الشديد، لا يبدو أن خطة كهذه موجودة لدى الوزارة حتى الآن. بالإضافة لذلك، لا يبدو أيضا أن الوزارة تأخذ في اعتباراتها جملة من التحديات ذات العلاقة بالنواحي النفسية والتأهيلية للطالب والمعلم.

فبعد انقطاع لمدة عام دراسي كامل عن المدرسة، واختبار الطلبة لنمط جديد من التعليم، الذي وإن كان في البداية غير مرحب به إلا أن كثيرا من الطلبة استسهلوه مع الوقت لما أتاحه لهم من الحرية والراحة والكسل والتساهل في الامتحانات وتجنب الضغط النفسي للضوابط الكثيرة التي يفرضها التواجد داخل الغرفة الصفية والحرم المدرسي.

بعد هذه التجربة لن يرغب كثير من الطلاب باستبدال هذا النمط وقد ينجم عن ذلك كثير من السلوكيات غير المرغوب بها نتيجة المقاومة النفسية لفكرة العودة للمدرسة، فهل فكرت بالوزارة بآليات للتعامل مع ذلك؟ على الجانب الآخر، فإن عودة المعلمين للغرف الصفية والتعامل مع طلابهم بعد عام من الإقصاء وتجميد دورهم وإيقاف التواصل بينهم وبين طلبتهم بشكل كامل لن تكون عملية سلسة لا على الطالب ولا على المعلم، وهذه قضية جوهرية تتطلب الكثير من الجهود للتعامل معها بحكمة فإهمالها سيكون له انعكاسات سلبية كبيرة قد يفوق حجمها حجم المشكلات التي تسبب بها التعليم عن بعد. فهل سقطت هذه الأمور من حسابات الوزارة؟ أم أنها تجاهلتها لوجود نية لجر الأمور مرة أخرى نحو العودة للتعليم عن بعد وبالتالي تكرار التجربة السيئة التي حدثت الفصل الماضي عقب أيام من فتح المدارس، الأمر الذي قتل أي خيط ثقة متبق لدى المواطن بوعود الوزارة وتصريحاتها؟!

S_toumar@outlook.com