لانا الحدّاد (باحثة في اللسانيّات)

في موضوع لافت تقاطعَ فيه الفكريّ بالدرس اللسانيّ يجيء كتاب «الثقافة والهويّة والقِيَم في مقرّرات العربية لغير الناطقين بها» لمؤلفه الدكتور عيسى برهومة- أستاذ اللسانيّات بالجامعة الهاشميّة _الصادر حديثًا عن دار كنوز المعرفة_وتكمن طرافة الكتاب في أنه نهج جديد في مسارلا يزال الحديثُ فيه في بواكيره، ألا وهو تعليم اللغة العربيّة لغير الناطقين بها، وهو يتناوله من وجهة مُختلفة؛ إذ يُركّز على المناهج المُقدّمة لتعليم العربيّة لهذه الفئة، فيتفحّصها بنظرة ثاقبة ودراسة تحليليّة وفق معايير مضبوطة، ليتوقّف بعدئذ عند المعايير القويمة التي ينبغي الحذو وفاقها لتأليف مُقرّرات تُعلّم اللغة العربيّة للآخر على نحو مُنصِفٍ للعربيّة، وأهلها، وللمُتعلّمين من غير الناطقين بها أيضًا.

ويُجلّي عنوانُ الكتاب المعاييرَ الأساسيّة التي تبنّاها المُؤلّف في وصف المحتوى التعليميّ للمقرّرات ونقده له، فهو ينطلق من منظور الثقافة الإسلاميّة، والهُويّة العربيّة، والقِيَم الإنسانيّة؛ كون هذه الأقانيم الثلاثةتُمثّل مُرتكزات رئيسة في اللغة العربيّة على وجه التحديد، بحيث لا يُمكن تخطّيها أو تجاوزها حينَ الاكتساب اللغويّ، ففي منظور الدكتور عيسى برهومة «لا يُمكن أن ينبتّ الخطاب التعليميّ عن الاشتباك المُنظّم الواعي أو غير الواعي مع مفردات أو محمولات أخلاقيّة وسياسيّة وثقافيّة، مقصودة بعينها، أو غير مقصودة، فاللغة تشتبك، لا ريب، بالمعرفيّ والثقافيّ والسياسيّ في حالاتها المختلفة»، فاللغة وسيلة لرؤية العالم والحُكم عليه، ومُجريات العالم كذلك وقضيّاته المختلفة قد غدت وسيلة لاتّخاذ الموقف اللغويّ للأفراد، ومن هُنا كان لا بُدّ من تساوق وانسجام بين المحتوى التعليميّ، والجوانب الهُويّاتيّةوالقوميّة والثقافيّة والقِيَميّةاللائطة باللغة العربيّة والمُعبّرة عنها.

ويُشير الدكتور عيسى في تقدِمة كتابه إلى «إنّ هذه الدراسات في وجه من وجوهها إنّما هي تَكشافٌ عن حالة التأليف العلميّ في مجالات اللغة العربيّة، وأسباب العشوائيّة التي تكتنِفُ مشاهد التخطيط اللغويّ العربيّ.وهي كذلك معنيّة باقتراح معايير تُبنى من خلالها صُور هذه الخطابات بتحقُّقاتها المتنوّعة، في المُقرّرات، بصورة مُتّزنة»، وهُنا تتبدّى القيمة الكبيرة لهذا الكتاب، علاوة على الجُهد المبذول فيه لتحقيق مرامي النَّقد والتطوير في عمليّة التخطيط اللغويّ والتأليف المنهجيّ، وذلك برجوع المُؤلّف إلى عدد من مُقرّرات تعليم اللغة العربيّة لغير الناطقين بها، من جهات تعليميّة مُختلفة، ومن ثمّ وضْع معايير مدروسة بعناية تتحرّى الدقّة والشموليّة، وتحاول حَصْر كلّ مُفردات الثقافة الإسلاميّة، والهويّة العربيّة، والقِيَم الإنسانيّة، على نحوٍ يُمكّن مُعدّي المناهج من تقفّي مدى مُناسبة مُؤلّفاتهم مع هذه المعايير، وتُرشدهم إلى مواطن قُصورها، ومن ثمّ تُعينُهم في اتّباع خطّة مُدقّقة عند الإقدام على وضع المحتوى، وفي رأيي تنبغي إعادة النظر في المناهج المختلفة المُعدَّة لأهل اللغة العربيّة أنفسهم على هذه الشاكلة التي انتهجها الدكتور عيسى في مُؤلَّفه.

ويأتلِف الكتاب من مُقدّمة وتمهيد تليه ثلاثة مباحث، جاءت المُقدّمة في أجزاء ثلاثة، وقف الأول منها عند مفهوم اللسانيّات التطبيقيّة ومكانتها من النظريّة اللسانيّة الحديثة، واقتران هذا الحقل الجامع بين التنظير والتطبيق بتعليم اللغات، وتناول الثاني إلماعات أو إضاءات شارحة لكلّ دراسة من دراسات الكتاب شرحًا مُكثّفًا موجزًا، أمّا الجزء الثالث منها فبيّن فيه الدكتور جانبًا من نتائج الدراسات، وأوجه القصور في تأليف المقرّرات.

أُردفَت المُقدّمة بتمهيد مُسهَب، موسوم بـ «اللغة/ الثقافة/ الهويّة، عتَبات تأسيسيّة»، يُؤسّس فيه الدكتور برهومة لكُنْه الوشيجة الواصلة بين اللغة وكُلٍّ من الثقافة والهُويّة والقوميّة، ليتجلّى من هذا التأسيس كُمون الضرورةفي تدريس الثقافة والهويّة لغير الناطقين بالعربيّة،ويتأتّى التمهيد في عدّة عنوانات ذات أهميّة بالغة، منها (اللغة والهويّة) و(اللغة والقوميّة) و(اللغة والثقافة)،ويتحدّث في الأول عن دور اللغة في تحديد الطابع الهويّاتيّ للأفراد والجماعات،ويقف عند صورة من صور التحدّيات التي تجابهها الأمّة العربيّة في سبيل تخلّيها عن هُويّتها بتوسُّل الصعيد اللغويّ، فأيّما أمّة تخلّت عن لُغتها تهشّمت هُويّتها وانهارت، وفي الثاني يقف عند القوميّة العربيّة ويذهب إلى أنّ اللغة حامية للأمّة وضامنة لاستمراريّتها؛ كونها توثّق روابط الشعب الواحد، ومتى تنازل شعب عن لُغته ذلّ وتفرّقت أوصاله، ويتناول في الأخير أهميّة اللغة في رسْم الثقافة وتشكيلها وتكوين طابعها العام، والكشف عن محاولات العولمة في أدلجة الهويّات الثقافيّة بالتأثير في لُغة الأفراد أولًا بجعل اللغة الإنجليزيّة مثلًا للثقافة وأيقونةً للحداثة. وذلك دون إغفال تأثير هذه الأطر الثلاثة في اللغة، فهي علاقة تأثّر وتأثير جعلت اللغة محورًا مركزيًا تستند إليه الأمم في نهوضها وضمان ديمومتها.

ويقفُ، المؤلف عند موضوع الهويّة والثقافة في مُقرّرات تعليم اللغة العربيّة، مُشيرًا إلى المعايير الأساسيّة في تأليفها، ويختتم التمهيد بأمثلة تطبيقيّة يُمكن الاهتداء بها عند تأليف المُقرّرات بما يخدم الثقافة العربيّة الإسلاميّة، إذ لا بُدّ أن يتمظهر تعليم اللغة العربيّة في محتواه بالطابع العربيّ الإسلاميّ الأصيل، بتناول نصوص من الكتاب والسنّة، ونثر العرب وأشعارهم بما يُبرز هويّة العرب، وشخصيّتهم الحقيقيّة غير المشوّهة، ويُميط الأذى الذي أُنيط بثقافة العربيّ المُسلم والدين الإسلاميّ.

عاينَ المؤلف في بحثه «صُور الثقافة الإسلاميّة في مُقرّرات تعليم اللغة العربيّة لُغة ثانية» المتمثّلة في: المجال العقائديّ، المجال التعبّديّ، المجال الأخلاقيّ، المجال الاجتماعيّ، المجال العلميّ، وتنضوي تحت كل مجال تفرُّعات شاملة لجوانب الثقافة الإسلاميّة، أمّا عيّنة الدراسة فتألّفت من مُقرّر الكتاب الأساسيّ لسلسلة جامعة إفريقيا العالميّة لتعليم اللغة العربيّة للناطقين بغيرها، ومُقرّر العربيّة للناطقين بغيرها بالجامعة الأردنيّة.

وانتهت الدراسة إلى عدد من النتائج، منها: عدم التوازن في توزيع صور الثقافة الإسلاميّة في عينة الدراسة؛ إذ رُكِّزَ على مضامين معينة فجاءت تكراراتها عالية، في حين هُمِّشت صور أخرى، وقد كان التركيز على صور دون غيرها، نحو: الوحدانيّة، والعلم، وأدب الحوار، وغيرها، علاوة على تركيز مُقرّر الكتاب الأساسيّ على الجانب الدينيّ على نحو كبير، في حين كان أقل وضوحًا في مُقرّر العربيّة للناطقين بغيرها.

وشخّصت الدراسة الثانية القِيَم الإنسانيّة بتمثّلاتها المختلفة في مُقرّرات تعليم اللغة العربيّة لُغة ثانية، المُتجليّة في: وحدة الجنس البشريّ، تكريم الإنسان دون النظر إلى دينه أو جنسه أو لونه، الدعوة إلى السلام، المحافظة على مبادئ حقوق الإنسان، محافظة الظلم، ورفض التمييز العنصريّ، وغيرها من صور القِيَم التي يصل عددها إلى (33) صورة، وتمثّلتعيّنة الدراسة في ثلاثة مُقرّرات وهي: Elementary Modern Standard Arabic، ومُقرّرAl-KitaabfiiTacallum al-cArabiyya، ومُقرّر Mastering Arabic .

وخلصت الدراسة إلى أنّ عيّنة المقرّرات تشتمل على صُور قليلة من القِيَم الإنسانيّة التي وردت في القائمة، مع التركيز على عدد منها دون غيرها، وإلى عدم التوازُن في توزيع صور القِيَم الإنسانيّة في العيّنة؛ إذ رُكّز على مضامين مُعينة، في حين هُمّشت صور أخرى، علاوة على عدم التوازن في عرض القِيَم الإنسانيّة بين مُقرّرات الدراسة؛ إذ جاءت هذه المُقرّرات لتكون أداة لتحقيق أهداف سياسيّة حضاريّة، إلى جانب تنمية الثقافة العربيّة، وتعلُّمها لُغة ووسيلة للتواصل مع العالم العربيّ.

ودار رحى الدراسة الثالثة حول تمثُّلات خطاب الهويّة القوميّة في مُقرّرات تعليم اللغة العربيّة لُغة ثانية،المُتبديّة في: التعريف بالوطن العربيّ، التعريف بالأدباء العرب، التعريف بالعلماء العرب، تعزيز قيمة الوحدة بين البلاد العربيّة، المحافظة على اللغة العربيّة والاعتزاز بملامحها، التعريف بالتراث الحضاريّ العربيّ، الاهتمام بالقضايا والمناسبات القوميّة، تنمية قيمة التعاون الثقافيّ، وتنمية قيمة المصالح الاقتصاديّة المشتركة، أما عيّنة الدراسة فتألّفت من مُقرّر المُنظّمة العربيّة للتربية والثقافة والعلوم، ومُقرّر جامعة إفريقيا.

وانتهت كل دراسة بجُملة من التوصيات كان من بينها إعادة النظر في صياغة مُقرّرات تعليم اللغة العربيّة لتتناسب مع احتياجات المتعلِّمين، إذ يُرتَجى أن تأخذ الجهات المسؤولة عن تأليف المناهج لغير الناطقين بالعربيّة بهذه التوصيّة وغيرها من توصيات، لدَفْع هذا التخبّط المتضمّن في المُقرّرات، فاللغة كما وصفها المؤلف «وعاء للثقافة والفكر والمعرفة، وهي ذريعة ناجعة لتحقيق النهضة والتنمية البشريّة والرّفاه، ووسيلة للتواصل مع تراث الأمّة وإحيائه، أو بعثه من مراقده، وهي كذلك سبيل واضحة من سُبل التواصل مع الآخر..»، ولا بُدّ إذًا أن تُستغلّ المناهج بعدّها وسيلة مُتاحة لخدمة اللغة العربيّة.