الدكتور عامر العورتاني أخصائي علم الاجتماع

لم يكن شيء يُعجِب ركاب ذلك الباص الذين رافقوا الشاعر محمود درويش في سفره الدائم، وقد باح كل منهم بسرّ أوجاعه، فما أن أعلن السائق العصبي عن بلوغ المحطة؛ حتى صرخوا بأنهم يريدون ما بعد المحطة، ليختار درويش النزول بعد أن أتعبه السفر، لقد كانت تلك المحطة وقفة لهؤلاء المسافرين مع ذواتهم، فمنهم من اختار المتابعة، ومنهم من اختار التوقف، ليستأنف الباص المسير، ويتابع المرور بكل المحطات، وهكذا هي حياة الإنسان ؛ رحلة في مركبة يشاركه فيها ركاب آخرون ولكل منهم وجهته، وأثناء المسير يتخذ الطريق مسلكاً مستقيماً في أغلب الوقت، لكن لا بدّ من نقطة ينعطف عندها، وخلف كلّ منعطف يكمن القادم في حياة كلّ راكب.

وكما في تاريخ الأمم ؛ فقد حملت بعض المنعطفات بذور التقدم والقوّة والنصر، في حين أخفى بعضها في ثناياه وابلاً من الهزائم والنكبات والويلات، لكنّ أغرب المنعطفات ذلك الذي ما انفك عن تكرار ذات النتائج حيث استمرت ذات المعطيات في التكرار، ولا يختلف واقع الأفراد عن الصورة الكبيرة للتاريخ الإنساني الطويل، فأنت وخلال ركوب الباص تسمع الكثير عن حكايات المنعطفات، والفرق أنّ الطريق في الحالة الطبيعية يحتوي على الكثير من الشواخص التحذيرية التي تُنبه إلى وجود المنعطفات قبل مسافة كافية، كما أنها تُنبه إلى مدى شدة وخطورة بعض المنعطفات، وهو ما لا يتوفر في طريق العمر الذي لا نعلم منه سوى ما قُطع في الماضي، فطريق العمر وإن كان مستقيماً هادئاً وطبيعياً معظم الوقت، إلّا أنّ المرء يقطعه وهو يعلم أنّ استقامة الطريق ليست أبدية، فلا بدّ من لحظة ما ينعطف عندها الطريق، وإنّ تلك اللحظة تكمن في اتخاذ قرار مصيري، وربما يُجبر الفرد مدفوعاً بالظروف المحيطة على اتخاذ ذلك القرار الحاسم، والمحصلة تحوّل في خطّ السير الاعتيادي للحياة اليومية، وطريقة التفاعل مع أحداثها وشخوصها، وقد يكون ذلك التحوّل نحو الانعطاف سلساً وسهلاً، ويحمل في جوانبه أسباب السعادة والنجاح، ما يجعل ذلك الانعطاف سبباً في تغيير الطريق باتجاه الأفضل، لكنّ بعض المنعطفات تخفي الكثير من الحزن والألم والخسارات بين انثناءاتها، والمرء خلال سيره على طريق العمر يواجه الكثير من المنعطفات الناعمة التي لا يكاد يشعر بها، لكنّ اللحظة التي تتغير فيها حياته كلياً نحو الأفضل أو الأسوأ ؛ هي اللحظة التي يقابل فيها ذلك المنعطف الذي لن تمحوه الذاكرة، وإنّ ذكرى بعض المنعطفات تكون مريرة لطول فترة الانعطاف، وكثرة الانزلاقات، ووحشة الطريق، فالبعض يُضطر إلى مواجهة المنعطف الأخطر في حياته منفرداً، حيث يتخلّى عنه الصديق والقريب، وربما تشتدّ عليه عواصف اللوم، فملامح الفشل فقط هي ما تبدو شديدة الوضوح في ذلك المنعطف، ولا مجال للعودة إلى الوراء، وهكذا يخوض المرء أقسى آلامه، وهو يُصارع الندم محاولاً التشبث بكلّ بارقة لانفراج الطريق، لكنّ الالتفاف وإن طالت مدته لا بدّ ذاهب إلى نهاية، فيعود الطريق إلى الاستقامة من جديد، وحتى يألف الفرد ملامح المسار الجديد ؛ فإنّ الإيمان باللّه، و الصبر، والوقت ، وامتلاك أسرار الإرادة فقط هي ما تحمله على تقبّل الواقع المستجد، والقيادة على طريقه باحترافية عالية، حتى وإن لم يكن الطريق مُدرجاً على خارطة التوقعات، وكما تؤدي زيادة السرعة على المنعطفات إلى انقلاب المركبة، وإلحاق الخسائر بأصحابها، فإنّ المنعطفات الهامّة في حياة البشر أيضاً كذلك، فانعطافات الحياة يجب أن تُعامل بالكثير من الهدوء وضبط الانفعالات، وإلّا فإنّ الاستسلام إلى مشاعر الغضب، والحزن، واستمرار التردد، واجترار الندم لن تؤدي إلّا إلى تعقيد الموقف أكثر، وتأخير الخروج من ذلك المنعطف، وربما يكون حتف المرء فيما تمناه، إذا لم يُحسن التعامل مع تضاريس الطريق وانحناءاته، وكم من شخصية تقف اليوم على منصات التكريم ؛ لتحدثنا بفخر وسعادة عن تلك اللحظة التي غيّرت حياتها إلى الأبد، ونراقبهم والدموع تملأ عيونهم، وهم يسردون قصصهم مع تلك المنعطفات التي اختاروا، أو وجدوا أنفسهم مضطرين للمرور بها، وهم اليوم يحمدون الله، فلولا تلك المنعطفات لما وقفوا أمامنا كما هم اليوم.

وليس كلّ قرار يتخذه المرء في حياته يُصوِّر منعطفاً على الطريق، وإنما يتمثل المنعطف في تلك اللحظة التي أحدثت حياة الفرد بشكل جوهري وإلى الأبد، وقد تؤخره دقة التوقيت، أو الإمكانات، أو البيئة المحيطة عن تجاوز ذلك المنعطف، لكنها حتماً لن تُثنيه عن الخروج إذا ما امتلك إرادة التصميم، ونُضج التجربة، وصدق الإيمان بم اختارته إرادته، حتى وإن وجد المرء ذاته مُجبَراً على دخول ذلك المنعطف الخطير، فلحظة الانعطاف لا تكون مسبوقة بالتخطيط دائماً، ولا بديل عنها أحياناً، ما يتطلب حُسن تقدير الموقف في ذات اللحظة، وتقبل ذلك الانعطاف على أنه جزء متمم لمعالم الطريق، الأمر الذي يُعين الفرد على التركيز في كيفية الخروج من ذلك المنعطف مُفعماً بالأمل الدائم، والثقة المطلقة بأنه يستحق أفضل ما في طريق بعد المنعطف، بدل هدر طاقته، و استنزاف مخزونه العصبي، واستهلاك عواطفه في محاولات بائسة لمقاومة الانعطاف، وإصراره على توجيه النظر نحو الخلف البعيد.

فتلك المرأة التي لاقت ألواناً من الهوان والعنف والحرمان وانعدام التقدير لسنوات، مع زوج يفتقد أبسط قواعد التعامل الإنساني، وقد باءت كلّ محاولاتها بمتابعة الطريق، وتصحيح مسار العلاقة بالفشل،، كانت على موعد مع منعطف الخلاص،

عندما اتخذت قراراً بالانفصال، وذلك الرجل الذي اتخذ قراره بشق طريق أسري جديد، بعد فشله في الحفاظ على علاقة غير منسجمة امتدت لعشرين عاماً، كان أيضا على موعد مع منعطف جديد، كما كان الموظف الذي اعتاد روتين الوظيفة التي مارسها بعد تخرجه، أيضاً على موعد حاسم، في اللحظة التي قرر فيها البحث عن ذلك الشغف الذي كان يملؤه منذ الصبا، وقد اختار أن يتخذ منعطفاً على الطريق بتقديم استقالته، ولم يكن أولئك الشباب الجامعيون ؛ وقد طال انتظارهم لحلم التعيين في وظيفة تتناسب ومؤهَلاتهم العلميّة مُخيّرين؛ عندما وجدوا أنفسهم على منعطف اضطراري يحمل آمالهم وأحلامهم نحو وجهة أخرى ؛ عندما وجدوا أنفسهم مجردين من حرية الاختيار بالعمل في مجالات لا تُلبي طموحاتهم، وبعيدة كلّ البُعد عن تخصصاتهم الأكاديمية، وتطلعاتهم المستقبلية، وبأجور متواضعة لا تمنحهم رخصة التخطيط للمستقبل، في واقع محموم بالأزمات والبطالة ؛ فكان المحظوظ من بينهم خسارة للوطن عندما أُتيحت له فرصة الهجرة إلى بلاد الغرب، حيث ثقافة جديدة بانتظاره على ذلك المنعطف الجديد، ويالِ حدّة ذلك المنعطف الذي قرر فيه أحدهم أن يتخلّى عن علاقات كان يحسبها لأعوام طويلة صداقات، فبالأمس كان رهانه الأكبر على تلك العلاقات وما تراءى له فيها من شيم المروءة والشهامة والأخوّة، ليتبينها سراباً، وقد كانت صداقة من طرف واحد، تهاوت رمالها على شاطئ الحقيقة أمام أول موجة هادئة وقد أفلتت من تيار المصالح الجارف.

وحتى هذه اللحظة ما يزال الكثيرون في مرحلة الانعطاف، حتى وهم ينتظرون أسعد غاياتهم، فالزواج، وانتظار مولود جديد، والبدء في وظيفة جديدة، واللقاء بصديق جديد هي أيضاً منعطفات لا تخلو من بعض المعاناة، لكنّ الأمل بجمال القادم هو ما يُعين على تجاوز المنعطف، وتذوّق حلاوة الإنجاز بإذن الله تعالى.

Dr.Amer.Awartani@Gmail.Com