تتواصل عمليات التنمّر على العرب, المصحوبة بقضم المزيد من الأراضي والمصالح العربية في الشق الآسيوي كما في الشق الإفريقي, ويبدو الأخير أكثر خطورة مما جرى ويجري في آسيا العربية, حيث الخطر الرئيسي والإستراتيجي يكمن في الوجود الصهيوني على أرض فلسطين, الآخذ في التمدّد.. هيمنة عسكرية واختراقات سياسية ببعد استراتيجي ونفوذاً يتجاوز حجم ما دأبنا وَصفها بـِ«الدُويّْلة», فإذا بها تتقمّص دور «إمبراطورية» في طور التكوين وليس فقط قوة إقليمية كبرى, يكاد العالم كله يُقِرّ بوجودها ويُفاخر بإنجازاتها وريادتها, بل ولا يتورع عن الإشادة بما حقّقته على أكثر من صعيد، على نحو دفع بدول كبرى (ذات إرث استعماري مُخزٍ), صك قوانين نافِذة تُساوي بين انتقاد الصهيونية وعنصرية وارتكابات حكومة تل ابيب الفاشية ضد الشعب الفلسطيني...وبين مُعاداة السامِيّة, في وقت لا تكفّ فيه هذه الدول الرطانة صباح مساء...عن الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية التعبير والبحث العلمي.

ما علينا..

معروفة الإستراتيجية التي اتكأ عليها مؤسسو الكيان الصهيوني, لمحاصرة القومية العربية ومُحاربة حركات التحرر الوطني العربية, بتبنيهم نظرية الصداقة/التحالف مع دول الأطراف المعادية للعرب, وكانت إثيوبيا الإمبراطور هيلاسلاسي وايران الشاه وتركيا جنرالات أتاتورك الأطاِلسة, أكثر المعادين لمشروع جمال عبد الناصر وطموحاته القومية. فضلاً عن اعترافهم المبكر بالكيان الصهيوني, ولم يكن هناك في تل أبيب من يُفرّق بين شاه إيران/الشيعي أو تركيا السُنيّة.

هذه الأيام تعود العدوانية الإثيوبية بحماسة محمولة على حلم إمبراطوري يداعِب حامل جائزة «نوبل للسلام».. آبي أحمد, الذي انتهج خطاً عسكرياً وحشياً متمادياً في علاقاته مع دول الجوار, خصوصاً إزاء السودان ومصر, ليس فقط بهدف تعطيشهما وسلب حقوقهما كدولتي مصب لنهر النيل, وإنما سعياً لاسترداد المكانة التي صنعها المستعمرون القدامى لإمبراطور الحبشة السابق... هيلاسلاسي, الذي ناصب مصر العِداء, منذ أخذت ثورة 23 يوليو على عاتقها نُصرة حركات التحرر الوطني العربية والإفريقية وفي مُقدمتها الجزائر وجنوب إفريقيا وكونغو/لوممبا وكينيا/كنياتا وغانا/نكروما وروديسيا/زيمبابوي.

وإذ منحت لجنة نوبل جائزة «للسلام» لآبي أحمد عام 2019 بذريعة أنه انهى «الحرب» بين بلاده وارتيريا, وهو بالكاد تسلّم الحكم ولم يُعرَف عنه إلتزام سابِق بالسلام, تماماً كما مُنحَ باراك أوباما الجائزة نفسها (2009) عاماً واحداً عند وصوله البيت الأبيض، فإن الأثيوبي آبي أحمد بدأ بتسيير جيوشه نحو السودان مهدداً بالإجتياح والزعم بأن صبره يكاد ينفد، كما فعل مع أبناء شعبه في إقليم تيغري, عندما سحق حكمهم الذاتي وشرّد آلاف المدنيين نحو السودان, رافضاً إجراء تحقيق دولي في جرائم حرب ارتكبتها قواته, مُواصلاً فيه ملء سد النهضة وإفشال المفاوضات الثلاثية, والشروع ببناء سدٍ جديد سيكون السودان ضحيته المباشرة.

امبراطور حبشي جديد.. مُسلّح بنوبل للسلام, وسلطان عثماني جديد في أنقرة, وفاشي مُتغطرِس في تل أبيب, وما يزال عرب اليوم في خلافاتهم غارِقين مُتغافِلين.

kharroub@jpf.com.jo