اليوم العالمي للمنطق الذي تحتفل به منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم اليونسكو في الرابع عشر من كانون الثاني من كل عام هو محاولة للفت الأنظار صوب أهمية المنطق في حياة البشر وتطبيقاته التي تعود على حياتهم بالنفع الكبير، فوفقاً لليونسكو أصبح المنطق في القرن الحادي والعشرين أكثر من أي وقت مضى تخصصاً عصرياً لا غنى عنه في كافة المجتمعات وفي كافة أشكال الاقتصاد.

ويتعمق في عالم اليوم توظيف المنطق في علوم الصناعة التقنية والهندسية والذكاء الاصطناعي، ويساعد علم المنطق في تنامي هذه الصناعات وتوظيفها في مختلف مجالات الحياة اليومية للبشر، غير انه يتراجع تعزيز ابتكار معارف جديدة في علم المنطق في مجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية بشكل كبير، ويحجم البحث العلمي عن إجابة أسئلة تبحث توظيف علوم المنطق في صنوف المعرفة الاجتماعية والإنسانية، إن المنطق هو العلم الذي يحكم نشوء نظريات ومبادئ علمية يمكن أن تفتح آفاقاً جديدة نحو مجتمعات إنسانية أكثر رخاءً وسلاماً.

وفي ذات السياق لا تهتم مناهج التعليم المدرسي والجامعي بتضمين علم المنطق في أنشطة التدريس والبحث العلمي وممارسات التفكير، مما يحرم الطلبة اكتساب الكثير من المهارات العقلية على شاكلة مهارات التفكير النقدي والحوار والتفاهم، كما أن مراوحة التدريس الطرق التقليدية دون اللجوء إلى الطرق التي تحفز التفكير والمنطق كطرق حل المشكلات والحوار والمناقشة والاستقصاء والتجريب، يجعل التعليم لا يسهم في نشوء ثقافة المنطق وهي الأساس لقوة الفكر ومتانة العقل.

لقد استندت معظم الحضارات إلى علم المنطق في ابتكار المعارف والعلوم بدءا من حضارة اليونان والإغريق ومروراً بالحضارة العربية الإسلامية، فكان المنطق والفلسفة هما الطاقة الدافعة لتطوير معظم العلوم والمحور الأساس لأي نهضة معرفية وعلمية.

وفي عالم اليوم لا يغيب المنطق عن حقول المعرفة في مسارات العلوم الإنسانية والاجتماعية فحسب بل نلحظ تغييباً ممنهجاً ومقصوداً للمنطق عن الكثير من السياسات والممارسات في السياسة العالمية، وما نشهده من حروب وتسابق محموم لامتلاك الأسلحة المدمرة، وتنامي فروق كبيرة بين الشعوب في عيش حياة كريمة تلبي أبسط حقوق الإنسان لهو مثال واضح على تنحية المنطق جانباً في كثير من الأحيان، ولعل أكثر مظاهر غياب المنطق عن السياسة العالمية هو وقوف الدول الكبرى وراء سياسة اغتصاب حقوق الشعوب ودعم سياسات الاحتلال، إلى جانب عدم المبادرة ?لجادة لإنهاء الصراعات وعدم الاستقرار في العديد من بلدان العالم.

Rsaaie.mohmed@gmail.com