عمان - أحمد الطراونة

في سياق احتفال الأردنيين بمرور مئة عام على تأسيس أولى البنى الإدارية والسياسية والثقافية في مشروع دولتهم الحديثة، تحتفي «الرأي» برموز الإبداع والوعي الذين أضاءوا بقناديلهم دروب المسيرة، وأسهموا بنتاجاتهم في صياغة الوجدان، ودوّنوا بإبداعهم على صفحة هذا الوطن سيرته وسرديته. وتقدم هذه الزاوية على مدار العام تعريفا بشخصيات إبداعية تركت منجزاتها بصمات واضحة في التاريخ الحديث.

محمد بطاح المحيسن.. صاحب إرث أدبي ناجز، وحلقة حقيقية في سلسلة الوعي الأردني الذي ترسّخت جذوره مبكرا في ثنايا الجبال، أسهم مع مجايليه برسم ملامح أردنيتنا الأدبية منذ أن لحظت عيناه قمم الجبال في الطفيلة بعد ميلاده سنة 1888.

عاش المحيسن طفولته مع أقرانه في الطفيلة، ودرس الأبتدائية فيها، ثمَّ غادر إلى دمشق لإكمال دراسته الثانوية في مدرسة «مكتب عنبر» التي كانت تعدُّ أرقى معهد علمي في بلاد الشام في العهد العثماني، وكان قد درس فيه مبتعثا على نفقة السلطان العثماني بسبب تفوقه.

تصاعد نشاط الحركة العربية القومية ضد مظالم حكومة حزب الإتحاد والترقــِّـي انذاك، وكان المحيسن على درجة عالية من الوعي بهذه المظالم، فزاد نشاطه مع الحركة الوطنية العربية وشارك في قيادة حركة اعتصام قام بها مع زملاؤه في «مكتب عنبر»، بسبب التضييق على اللغة العربية انذاك، حيث تحرك المحيسن مع أقرانه في المدرسة مطالبين بزيادة حصص اللغة العربية والتاريخ العربي، ليقمع الاعتصام ويغادر المحيسن دمشق سرا متجها إلى بيروت ثم إلى فرنسا، ومنها إلى أميركا الشمالية، حيث استقر في مدينة ديتروت بولاية ميتشغن، وأكمل تعليمه الجامعي، فكان أول طفيلي تخرَّج في عام 1908 من «مكتب عنبر»، وأول أردني تخرَّج في جامعة أمريكية.

كان البعد القومي يأسر وعي المحيسن ويشكل نبض مسيرته رغم وجوده في أميركيا، ففي عمله الأول «الأسير»، والذي مُثّل على خشبات المسرح في أميركا، تحدّث عن نضال المغاربة ومقاومتهم للاستعمار، مخلّدا فيها دور الأمير المجاهد عبد الكريم الخطابي. وفي عمله الثاني «الذئب الأغبر»، والذي مُثّل أيضا على خشبات المسرح في أميركا، تحدّث عن حركة مصطفى كمال في تركيا وما لقيه العرب من تنكيل على يديه. وفي عمله الثالث «الفريسة»، تحدّث المحيسن عن المجتمع العربي أواخر الحكم العثماني، مشيراً إلى الروّاد الأوائل من قادة الثورة العربيّة الكبرى.

قاد المحيسن مع إخوانه العديد من الحركات الوطنية وأسس عدّة أحزاب سياسية مناهضة للأتراك والاستعمار والصهيونية. وواصل نشاطاته الوطنية ضد مظالم حكومة حزب الإتحاد والترقّي، وأصدر صحيفة باللغة العربية بعنوان: «الكفاح الوطني» مع صديقه الكركي محمد حسن الحروب، ودعمهما ماليا صديقهما ورفيقهما في الحركة الوطنية العربية عبد الحميد شومان (مؤسِّـس البنك العربي لاحقا) الذي كان قد سبقهما إلى الهجرة إلى أميركا. وأثناء مكوثه في مهجره اختاره ممثلو حوالي مئة ألف مغترب في أعقاب مؤتمر لهم عقدوه في نيويورك رئيسا لوفد قرَّروا إرساله إلى فرنسا للمشاركة في «مؤتمر الصلح في باريس» (1919) لدعم الوفود العربية في رفض مخطط تقسيم البلاد العربية الذي تبنته بريطانيا وفرنسا في ما أطلق عليه اتفاقية «سايكس-بيكو»، ولكن ظروفا قاهرة في مقدمتها المكائد اليهودية حالت دون سفر الوفد إلى باريس.

أصدر المحيسن صحيفة «الصراط» باللغة العربية في عام 1921 في أميركا بعد أن قام بشراء مطبعة خاصة لطباعتها، إذ كتب عملا مسرحيا تم إنتاجه وعرضه على مسارح أميركا، وجمع من ريعه ثمن هذه المطبعة، ثم كتب المحيسن الرواية المسرحية ليسجّل ريادة في ذلك، وكان إضافة إلى ذلك يكتب في الصحف والمجلات العربية ومنها: «بردى»، و«القبس»، و«فلسطين»، و«الكفاح».

مكث المحيسن في أميركا قرابة خمسة عشر عاما واجه خلالها صعوبات اضطرَّته للعودة إلى الأردن في عام 1923، بعد عامين من تأسيس الإمارة الأردنية، ولم يلبث أن التقى من جديد برفاقه في «مكتب عنبر» ومنهم: مصطفى وهبي التل، ومحمد صبحي أبوغنيمة، وجلال القطب وأحمد التل «أبوصعب» لينخرط معهم في نشاطات الحركة الوطنية الأردنية في التصدي للاحتلال البريطاني و وعد بلفور، ولتداعيات اتفاقية «سايكس-بيكو» التي قسمت الوطن العربي إلى أجزاء عديدة ترزح تحت نير الإحتلال البريطاني والفرنسي.

عمل المحيسن بعد عودته من أميركا مفتشا للمعارف، فحرص على إنشاء عدد من المدارس في القرى الأردنية، ثمَّ نُقل مديرا لمدرسة إربد، ثمَّ حاكما إداريا في وزارة الداخلية، ثمَّ رئيسا للديوان الأميري، وكان يتقن اللغات الإنجليزية والتركية والفرنسية، ورغم ذلك بقي على موقفه الوطني الرافض لوجود البريطانيين، المر الذي جعلهم يزوّرون الانتخابات التي جرت عام 1934 والتي ترشح لها عن مدينة الطفيلة، لمنعه من الوصول إلى المجلس، ثم فُصل من عمله ونُفي إلى مسقط رأسه الطفيلة. المحيسن الذي توفي في 15 آذار 1942، يرسخ في ذاكرة الأردنيين كواحد من الرواد الأوائل الذين اسسوا لحالة نادرة من الوعي، تغلفت بسيرة إبداعية لم يمهلها الزمن، ولم تستقر لتعطي أكثر، فكان قد قضى حياتة تشردا وسجنا ونفيا وسفرا خارج الوطن، ورغم ذلك بقي جذريا لم يهادن على موقف أو يساوم على قضية أو يتنازل عن حق، فاستحق البقاء في الوجدان الوطني.