من أجل تمكين الإنسان على القيام بوظيفة الخلافة والعمارة في الأرض، والقيام بالتكاليف والأوامر الشرعية، فقد وهبه الله تعالى أدوات تمكنه من الفهم والإدراك والتميز والاختيار والاستجابة فوهبه السمع والبصر والفؤاد تنمو بتدرج منذ ولادته كما جاء ذلك في قول الله تبارك وتعالى:{وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [سورة النحل:78].

وفي تفسير هذه الآية الكريمة من المناسب ذكره ما نقله الإمام القرطبي رحمه الله: والله تعالى ذكر أن من نعمه أن أخرجكم من بطون أمهاتكم أطفالاً لا علم لكم بشيء، فلا تعلمون شيئاً مما أخذ عليكم من الميثاق في أصلاب آبائكم، ولا تعلمون شيئاً مما قضي عليكم من السعادة والشقاء، ولا تعلمون شيئاً من منافعكم، فجعل لكم السمع لتسمعوا به الأمر والنهي، والأبصار لتبصروا بها آثار صنعه، والأفئدة لتصلوا بها إلى معرفته، وقوله وجعل لكم السمع إثبات النطق لأن من لم يسمع لم يتكلم، وإذا وجدت حاسة السمع وجد النطق[تفسير القرطبي].

وذكر الدكتور محمود عمارة أن جمهور علماء المسلمين من المتكلمين والفقهاء عرفوا العقل بأنه: "ملكة وغريزة ونور وفهم وبصيرة، وهبها الله تعالى للإنسان، فهو ليس عضواً ولا حاسة من الحواس، أي أن وجوده في الأذهان لا الأعيان وهو المستوى الأعلى في الادراك لما فوق الحواس" [مقام العقل في الإسلام للدكتور محمد عمارة، ص8].وعرف الجرجاني العقل بأنه: نور في القلب يعرف الحق والباطل [التعريفات للجرجاني]. وعرفه الحارث المحاسبي بأنه: نور الغريزة، مع التجارب يزيد، ويقوى بالعلم والحلم [طبقات الشافعية، ص147].وقال ابن منظور: والمعقول هو ما تعقله بقلبك [لسان العرب، ابن منظور].

ويحتل العقل في الإسلام مكانة عظيمة في القرآن الكريم الذي خاطب العقول والألباب في العشرات من الآيات التي دعت إلى التفكر والتدبر كما في قوله تعالى: {أفلاتعقلون}، وكذلك مكانته في السنة النبوية المطهرة، واعتنى علماء المسلمين قديماَ وحديثاً بالعقل والمنطق وصنفوا فيه مصنفات كثيرة أثرت الحضارة الإسلامية والإنسانية معاً، وأثبتوا فيها علاقة التجانس والانسجام والأدوار بين النصوص الشرعية وبين العقل وأنهما مكملان ومتعاضدان؛فإذا عرف الإنسان ماهية العقل وحدوده؛ فإنه يعرف أنهما غير متناقضين، فالعقل هو أداة للقدرة على فهم الكلام ومنه النصوص الشرعية المتمثلة بالوحي من القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف لاستنباط المراد من هذه النصوص، وأن من مقتضيات العقل التفكير وبذلك صنف عباس محمود العقاد كتابه ( التفكير فريضة إسلامية).

وفي بيان علاقة العقل بنص الوحي قال الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى: اعْلَم أَن الْعقل لن يَهْتَدِي إِلَّا بِالشَّرْعِ، وَالشَّرْع لم يتَبَيَّن إِلَّا بِالْعقلِ، فالعقل كالأس وَالشَّرْع كالبناء، وَلنْ يُغني أس مَا لم يكن بِنَاء، وَلنْ يثبت بِنَاء مَا لم يكن أس، وَأَيْضًا فالعقل كالبصر، وَالشَّرْع كالشعاع ، وَلنْ يُغني الْبَصَر مَا لم يكن شُعَاع من خَارج وَلنْ يُغني الشعاع مَا لم يكن بصر، فَلهَذَا قَالَ الله تَعَالَى {قد جَاءَكُم من الله نور وَكتاب مُبين يهدي بِهِ الله من اتبع رضوانه سبل السَّلَام ويخرجهم من الظُّلُمَات إِلَى النُّور بِإِذْنِهِ، وَأَيْضًا فالعقل كالسراج، وَالشَّرْع كالزيت الَّذِي يمده، فَمَا لم يكن زَيْت لم يحصل السراج، وَمَا لم يكن سراج لم يضيء الزيت، وعَلى هَذَا نبه الله سُبْحَانَهُ بقوله }الله نور السَّمَوَات وَالْأَرْض{ إِلَى قَوْله {نور على نور} فالشرع عقل من خَارج، وَالْعقل شرع من دَاخل، وهما متعاضدان بل متحدان وَلكَون الشَّرْع عقلاً من خَارج سلب الله تَعَالَى اسْم الْعقل من الْكَافِر فِي غير مَوضِع من الْقُرْآن نَحْو قَوْله تَعَالَى :{صم بكم عمي فهم لَا يعْقلُونَ}، وَلكَون الْعقل شرعاً من دَاخل قَالَ تَعَالَى فِي صفة الْعقل: {فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا لَا تَبْدِيل لخلق الله ذَلِك الدّين الْقيم}، فَسمى الْعقل دينا ولكونهما متحدين قَالَ {نور على نور} أَي نور الْعقل وَنور الشَّرْع .

فالعقل قائد والدين مدد، ولو لم يكن العقل لم يكن الدين باقياً، ولو لم يكن الدين لأصبح العقل حائراً، واجتماعهما كما قال الله تعالى: {نور على نور}[سورة النور:35][الذريعة في مكارم الشريعة للراغب الأصفهاني، ص307]، وقد جعل الإسلام (العقل) محل التكاليف الشرعية، فمن الشروط التي يجب توافرها في المكلف (العقل) فلا يكلف من فقد عقله كالمجنون بل يسقط عنه التكليف ولا يحاسب ولا يلام، وبهذا تتضح مكانة العقل في الإسلام، وعلاقته بالنصوص الدينية، ودوره في الحضارة الإنسانية.

Dr.fadikareem@yahoo.com