حسام معروف

(كاتب فلسطيني)


تمتد فكرة الإنسان والطين من خلال المصنع المستمر في الجَبْل والتطوير، ليس فقط لخلية الجسد، وإنما لما يستند إليه المرء من أفكار وقناعات دائمة التشكل.

وبما أن الوقت يعمل كشريط سينمائي يمضي في اتجاه وحيد، فيتحول المرء بهذا إلى مجرد مقاطع مرت أمام النظر، وبعد حين تنغمس مرة أخرى في تراب آخر.. ضمن هذا المسار من مشاعر منحازة للقديم والأصيل، والارتباط بالأرض والخير والإنسان الجذري، يقدم الشاعر عبدالله الكعبي مجموعته "النيرا ونجوم أُخَر" (دار رواشن للنشر، 2021.(

يهدف الكعبي في قصائده إلى استعادة رائحة التاريخ الممجد، عبر الصوت النابض في الجسد، والدافع إلى التفكر في كيفية تراكب الجزئيات، كي تبدو الرؤية أكثر شمولية وقابلة للتأويل.

مشاهد كثيرة يرتبها الكعبي في قصائده، تدور مع العاطفة الإنسانية لتعيد للإنسان ماءً بأكسجين غير ملوث، كأن يبدأ المرء عمره مثلما أراد أن تكون البداية.

شِعْر الكعبي يشارك العديدَ من الأحاسيس الإنسانية الرطبة، مثل الحنين إلى عتبات قديمة، واسترجاع اللحظة مع الآخر على أمل اللقاء. ويبدي الشاعر في قصائده الدفء مع الحبيب، والشغف للعودة مرة أخرى للأماكن نفسها:

"أحبكِ ألف مرة، كي تحبيني مرة".

كما يمر على قطبي الوجود؛ الموت والحياة، وما يجري بينهما من مقاطع متقاطعة مع الشعر:

"أعلم وأنا أعدّ حواسي الخمس

أن الموت والحب شريكان في بناء الحظّ".

ويتأجج في نصوص الكعبي الانتماء إلى ذكريات الطفولة وماضي اللعب والكرز، وكذلك تمجيد الوطن والاعتزاز بالأجداد والأرض.

ويصوغ الشاعر قصائده على شاكلات متنوعة ما بين القصيدة العمودية الموزونة والمقفاة، وقصيدة التفعيلة، والقصيدة الحداثية بما تحمله من اجتهادات النص المفتوح، مقدماً لغة محملة بأركان عميقة، يأتي المعنى الباطني فيها كقاعدة بناية شاهقة. ويمرر الشاعر تجربته في هذه المجموعة عبر 39 نصّا بعناوين متعددة التشكيل.

وبما أن الكلمات طُوب التشكيل والبناء، المعمل الذي تنبض من خلاله المعاني أخيراً، يستعين الشاعر باحتفائه باللغة ليُدخلها ضمن الحيز الإبداعي، يخاطبها كامرأة حبيبة تشترك مع الخلايا الملسوعة بالنار جراء المشاعر والخيالات، ويسحب خيط التاريخ من عمق التراب ليرى ما كان يعرضه الماضي، ليراه حاضرا. نقرأ في نص "اشتهاءات":

"أنتِ أيا لغةً حيرى تؤرقني

نامت ظنوني وغطى الليل آخر أضدادي

أخاصم نفسي لحظةً

ربما تأتين عاجلة،

أنتِ البعيد معي،

أنتِ اشتهاءات روح،

أُرسِلَت من تجاعيدي،

تؤلّبني الأيام جاعلةً

نفسي على قلق،

أخيط من خيطكِ الوضّاء أسئلتي،

عَلّي أرى بابل..

...

أستلّ من عبق التاريخ أسئلتي،

أغادرَ الحرفُ أم ذاب مع المقل؟".

يراقب الكعبي في شعره حركات الصانع وتماهي المصنوع، حتى تلك الهوامش الشبيهة بالفقاعات، يأخذها شاهداً على تغيرات المادة وتركيبها عبر الزمن، ويعطيها لذة المعنى، كما ينبغي للشِّعر أن يكون.

ويمزج الشاعر بواسطة الصور الحية بين الشعور البشري المتأثر بالمتغيرات كافة، فلا جمود ولا سكون في هذا الوقت، وقت أن تزهر الأشياء في طورها الجديد. نقرأ في نص "بالون":

"هذا طين، وهذا ما خلّص جيبَه من الطين، اللون مثارٌ كالناقعات في السماء،

وأينما نذهب كان اللون..

حتى اللاشيء هناك لون

ربما الآن امتزجنا، نحن منذ البعيد كنا سوداً.

وفي النهاية سنصبح إما رملاً، أو نمتزج بالسواد..

فقاعة الصابون كم نفخناها صغاراً، ولكنها في النهاية لا تطير.

الفقاعات أعمق في التعبير عن الوضع والجوع.

هنالك عدة فقاعات، إما من غلي وإما من نفخ..

...

يعبئنا الحزن وينفخنا، يربطنا الفقر وينثرنا".

وعلى طريقة المشغل الفني، يضع الشاعر القطع كلها جاهزة للتركيب والقص والتجميع والفرز، ليتحقق المراد الجمالي في نصه. هذا المضمون يُخضعه الكعبي لأدوات الشعر والفن في آن، مبرزاً يد الفنان بين كلماته، فتفتح هذه الطريقة بعيداً في الذهن، وتزيد عدد النوافذ فيه.

ويتكلل الصوت الفني في قصائد الكعبي من خلال الآلة اليدوية المستخدمة، المتمثلة بالمقص، لما لهذه الأداة من صورة ذهنية مرتبطة بالهدم لشكل قديم من المادة، وما يقوم به الصمغ بعد ذلك كأداة تركيب وتجميع. هذا الوصف المستمر في الحركة، يربطه الشاعر بأحاسيس الإنسان، بطريقة مدهشة. نقرأ في نص"كولاج":

"قُصَّني إن استطعتَ واجعلني في حلق الأصدقاء أغنية،

واقصُصْ اسمي حيث تشاء..

ربما أكون وحدي دواء

هل يعحبك انكساري؟

فكيف تطيق وداعي في القصيدة أيها الرجل..

كيف تجعلني جناحاً للحروف؟

كيف أنت والمازحون عن وردة تنمو في الضباب؟

حطّمني شظايا وجرّيني (كولاجاً)،

فقد أصبحُ تحفةً أو أصبح مثلَك ملاكاً في عين ذئب..

...

عد بي للأصدقاء، كلِّمهم بمرح

وابْنِ معهم ولو مرةً فكاهة

هاتِ الصمغَ المعبَّأ بالحقد،

واجمع بين جناح الفراشة وجذعها،

لن يُلصِقَ اللعابُ متفرقين".