«رسائل من الشاطئ الآخر».. مجموعة رسائل متبادلة بين الكاتب الصحفي المصري حسام عبد القادر والدكتورة دلال مقاري باوش مديرة معهد دراما بلا حدود في ألمانيا.. حول هموم وقضايا مشتركة تهم الوطن بمفهومه الشامل، وتعبر عن كثير من القضايا التي تؤرقنا نحو وطننا وتتحدث عن الغربة خارج الوطن وداخله، خاصة قضايا الهجرة والسفر والهروب عبر البحار والمحيطات لمستقبل غامض على أمل في غد أفضل.

هذه الرسائل الأدبية تذكرنا بجنس أدبي افتقدناه كثيرا وهو أدب الرسائل أو فن الرسائل والذي يعد من الفنون الأدبية القديمة، وهو فن نثري جميل يظهر مقدرة الكاتب وموهبته الكتابية وروعة أساليبه البيانية القوية. والرسالة نص مكتوب نثرا، يبعث به صاحبه إلى شخص ما، كما تعتبر الرسالة الأدبيّة من أهم فنون السرديات؛ حيث تخاطب الغائب وتستدرجه عبر فنيتها ببلاغة الكلمة وقوتها.

الرسالة الثانية والعشرون..

رائحة السعادة

صديقتي العزيزة دلال

أعرف أن الإحباط يتملك معظم البشر هذه الأيام، فقد مرت أعياد الميلاد والكريسماس ورأس السنة دون أي احتفالات، بل إن هناك غرامات باهظة فرضت هنا بكندا على بعض المخالفين الذين أصروا على الخروج والتجمع للاحتفال، فكانت النتيجة دفعهم لغرامات وصلت إلى 6500 دولار للفرد.

كما فوجئنا أن الحصول على المصل ضد كورونا لا يعني نزع الكمامة من الوجه، ولا يعني الرجوع إلى سابق عهدنا وممارسة حياتنا بشكل طبيعي، بل كل شيء كما هو دون تغيير.

ولنبعد قليلا عن هذا الإحباط، ولنتحدث عن السعادة، فأظن أننا بحاجة للحديث عنها، فالحديث عن السعادة هو سعادة في حد ذاته، ولتذهب كورونا وأجواؤها إلى الجحيم.

ولا أنسى سؤالاً وجهه لي صديقي الكاتب والأديب الأميركي من أصل مصري عاطف يوسف أثناء جولة بجانب منزله في بوسطن بالولايات المتحدة، قال لي «هل تشم رائحة؟» فركزت قليلا وكنا نتمشى في غابة مليئة بالزهور والأشجار الجميلة والبحيرات، فقلت له «هل تقصد رائحة الزهور والأشجار؟» فرد علي قائلا: «لا، بل أقصد رائحة السعادة».

تأملت الجملة كثيرا، وظلت عالقة بذهني لا أستطيع نسيانها، فهل للسعادة رائحة؟ وكيف أتمكن من شمها؟

ووجدت أن عاطف يوسف محق تماما، وفهمت ما يعنيه، وكنا أثناء تجوالنا نقابل كثيرين: من يمارس الجري ومن يتمشى مثلنا ومن يجلس يتأمل البحيرة، وهكذا، وكان الجميع مبتسمين، ويرحبون بنا بابتسامة.

وعندما ذهبت لولايات أخرى بالولايات المتحدة وجدت الابتسامة نفسها، وبعد مرور خمس سنوات تقريبا جئت إلى كندا، فوجدت الابتسامة التي فقدتها لسنوات، وبدأت أبحث عن سر هذه الابتسامة، لعلي أشم رائحة السعادة التي حدثني عنها عاطف.

لا يوجد إنسان ليس لديه مشاكل، هذه حقيقة أجزم بها، ولكن كل إنسان يعالج ويواجه هذه المشاكل بطريقة تختلف عن غيره، فالأجانب – إن جاز تعبير كلمة أجنبي- لديهم الكثير من المشاكل مثلنا تماما وقد تكون أكثر، ولكن لديهم قدرة على إدخال السرور والبهجة إلى حياتهم بأبسط الطرق والوسائل.

يكفي أن تذهب الأسرة إلى أقرب حديقة ومعهم الشواية ويقومون بحفل شواء ويأكلون ويرقصون ويغنون بكل سعادة، لمدة عدة ساعات ثم يعودون أدراجهم إلى البيت وينامون.

هكذا بكل بساطة، هم لم يتكلفوا أي شيء إضافي، هم فقط انتقلوا من البيت إلى مكان آخر، ونفس الطعام الذي كان وجبة غدائهم أو عشائهم تناولوه، وأيضا المشروبات ذاتها.

آخرون يلجأون إلى ممارسة الجري لمسافات طويلة، نوعا من ممارسة الرياضة، وإخراج الطاقة السلبية وتقضية وقت ممتع، وفريق ثالث لركوب الدراجات، وهكذا.

وأجد الجميع مبتسمين، رغم ما لديهم من هموم وديون ومشاكل بالعمل، ولكنهم يواجهون الحياة ويحاولون الحصول على السعادة بأقصى درجة ممكنة، بل وينشرونها بين المحيطين بهم، فالسعادة عدوى تنتقل بين شخص وآخر بشكل سريع، ولا يمكن أبدا أن تواجهي شخصا مبتسما بوجه عابس بل ستردين الابتسامة بكل تأكيد لتتغير حالتك دون أن تشعري، ومن ثم تنتشر رائحة السعادة التي حدثني عنها عاطف يوسف.

إن الحصول على السعادة وممارستها هو فن قد لا يعرفه كثيرون منا مع الأسف، ولكن لابد من وجود طريقة لتعريف الناس بالسعادة ودعوتهم لممارستها ونشرها لتحل محل أي مشاعر سلبية تسيطر علينا، فهل يمكن أن نفعل ذلك؟ وهل يمكن أن نبث عطر السعادة في بلادنا مثلما يفعل الأجانب!.

حسام عبد القادر

يسعد أوقاتك كابتن حسام

إبحار جديد، بداية عام يترجم حاجتنا للبحث في موضوع السعادة، بعد عام مضى، اضطربت فيه هذه القيمة أو هذا المفهوم الواسع.

موضوع جديد جعلني أتجول في الغرف الداخلية للروح، أمسك بفتيل الشوق لمعرفة (كيف تنمو بذور السعادة، في تلافيف التجارب؟ وكيف تتعرش النبتة السحرية (ذات الروح والصوت والطعم والرائحة) على جدران الحياة؟

رسالتك حسام تحيلني إلى قصتي (البطة والشراع) التي ناقشناها قبل أيام، حيث تعلّم الشراع الأسود، والذي يرمز مجازيا إلى الموت، تعلّم الوصول إلى مدن الفرح واكتشاف السعادة، بعد أن تذوق معنى الدهشة! ولذة التعلم، والنجاح واكتشاف الذات وقيمة العلاقة مع الآخر وذلك من خلال التحول الذي طرأ عليه بعلاقته مع البطة المريضة، وهذا ما شكل ثقافته الجديدة ولونه الجديد، فكلما تعلم أكثر واستمتع أكثر كلما تلاشى لونه الأسود وشعر بنشوة عارمة.

إذا هل السعادة هي متعة المستحيل؟ أم أنها لذة المعارف الجديدة، بروحانية خالصة؟ أو لعلها دهشة التعلّم بروح مغامرة؟

لعلي الآن قد أمسكت بحفنة الرمل الأولى التي شكلت صحراء المعاني الشاسعة؟ وأنا أتتبع النبتة السحرية ذات (الروح والصوت والطعم والرائحة) نبتة السعادة!.

إذا فالسعادة هي أن تعيش الأشياء كأنك تعيشها لأول مرة! أن تكتشف المتعة واللذة والدهشة في الحياة، تماما كالأطفال.

فالسعادة الحقيقية، هي ليست فرحا دائما، لأنها مرتبطة بالثنائيات المتعارضة (حزن، فرح أو فشل، نجاح أو ظلام، نور) وكأنها تنقلنا بين الثنائيات المتعارضة المتناقضة، هو ما يقودنا إلى السعادة الحقيقية، وهذا ما تقودنا إليه الفلسفة، التي تدرك أن استحضار الطفل الساكن في الأعماق، والبراءة، والانبهار بالأشياء ونقيضها، هي النشوة وقمة السعادة.

ترافقني دائما قصيدة للشاعر الفرنسي بودلير بعنوان سمو، برغم تحليقها الشاعري، إلا أنها لا تخلو من التمرد على الواقع المعاش ومحاولة فهمه وتفكيك بديهياته، رغبة في التغيير، ثورة فكرية وروحانية للوصول إلى السعادة الحقيقية.

يهمس لنا صوت بولير الرقيق الصافي:

«سعيد من استطاع بجناح قوي، أن ينطلق صوب الفضاءات المنيرة الرائقة

سعيد من كانت أفكاره عند الصباح كالقبرات

تختار كما تشاء وجهة التحليق نحو السماوات

سعيد من يحوم فوق الحياة ويفهم دونما عناء

لغة الأزهار والأشياء الصامتة"

السعادة يا صديقي العزيز، طفلة عابثة، شقية، السعادة لا تشيخ

سنة مليئة بالسعادة أتمناها لك كابتن حسام

د. دلال مقاري باوش