ها نحن هنا، كأغصان شجرة الزيتون تثمر كل موسم بأجود ما يتمناه الناس من عصارة الشجرة المباركة، زيتا يؤكل ويتداوى به ويباع بغالي الأثمان ويبحث عنه من لا يملك الشجرة المباركة،» زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولم تمسسه نار، نور على نور»، وهل أصدق من الله حديثاً!.

ها نحن في عملاق الذاكرة وغرفة عمليات الدفاع العتيقة لتاريخ دولة ومسيرة وطن، وطن بناه الكبار، وتنعم في دفئه الصغار، وطن احتضن القادمين من كل حدب بكل حب حتى أصبحوا من أهل الدار، لا فرق بين أشقر وأسمر، ولم يقرأوا يوما في $ مقالة أو تعليقا يعيدهم الى عنب الشام أو بلح اليمن.

ها نحن في صحيفة الوطن $ التي لم تخن عهدها لتاريخ هذا الوطن وترابه وبُناته الذين سجلوا على بلاط الشهداء نجومهم من الأردنيين الأباة، ها نحن نودع كوكبة من الزملاء الذين غادروا بيتهم، وكأنهم سرّية استطلاع ودفاع خدموا مؤسستهم كرماح الطلائع المغوارة، سنين مديدة ولياليَ فريدة وأحلاما سعيدة بمستقبل كنا نراه أفضل وأجود وأسعد لأطفالنا وأبنائنا، آمنين في سربنا، مشكورين على جهدنا، شاكرين لوفاء دولتنا وحكوماتنا ومنظومتنا المعقدة بالمؤسسات التي تتكئ على جهد نشامى $، ثم سقط السقف فوق رؤوسنا، لنكتشف أننا نيّام في غيابة الجبّ، فلا هبة من دفاع مدني ولا فزعة بدويّ.

$ طالما كانت رافعة السلطة ولسان الوطن، ولتاريخها حساسية وقيّمة معنوية لا توزن بالكمّ ولا تصاغ بالمال، وإن كانت ثانية العجائب السبع «البترا» حُفرت بمعاول العرب الأنباط جنوبا، فإن $ قلعة بناها أعظم الرجال وتَتابع عليها أجيال وأجيال من الرعيل الجديد، وكل من سجّل اسمه على أوراق صحيفتها بأمانة وشرف، قد حاز شرف العضوية الوطنية التي لا يقدرها سوى أبناء الملح والخبز، لا كتقليد لبني إسرائيل، بل لشرف الملح الذي يعقد لواء الولاء والعهد والأخوة، فخرّجت هذه الصحيفة الغرّاء، وزراء وأعيانا كنا نظنهم منا، وكثير من الظن إثم.

هاهم الزملاء الأعزاء الذين عصاهم الحظ الذي يطارد كل أبناء القرى والحواري والمخيمات، يتنكبون أوجاعهم وضيق ذات يدهم وحاجات أبنائهم، ليغادروا مؤسستهم التي كانت معطاءة وصدرا لا يضيق بأحد، كما ضاق بها من جاءت به الأقدار على رأس حكومة أرادوها «ديجيتالية»، ويسهرون الليل وينامون النهار، وهم يعلمون تاريخ الصراع بين مدرسة وصفي التل والصفوف المتأخرة من جيل الأقزام الذين لم يروا في هذا الوطن سوى فندقاً يقرأون على أبوابه سورة الفلق.

ألا يرى القوم إلى $ كيف أُنشئت؟ في ليلة حالكة استيقظ وصفي التل ولم يجد خبرا يعطي الأردن حقه في أي من صحف بيروت والقاهرة، وأدرك أن موجات الإذاعة الأردنية الوليدة لا تصل إلى معان، فقرر أن يوجِدَ من العدم صحيفة تنطق باسم الوطن وسماها $ التي باركها الحسين، ومن تلك الزاوية الحرجة الضيقة انطلقت الرواية الأردنية. ورغم ما أصابها من هنات ومتغيرات فقد بقيت $ منارة تهدي سفن الرؤساء والوزراء والأعيان والنواب والسياسيين لطريقهم الذي أضاعوه، وكإخوة يوسف إذ جاءوا بعد الإيمان بدم كذب.

جميعا نودعكم زملاءنا الأحبة.. يا من قدمتم من عمركم وجهدكهم ما استطعتم، فأنتم ومن بقي على ثغور $ ستبقون في القلوب أحبابا رغم الوداع المؤلم، ولكل من تخاذل يوما سيُخذل ويرحل وتبقى $ علامة فارقة وبدراً ساطعا في ليل الوطن.

Royal430@hotmail.com