في صيف 1941 كان هتلر قد حقق من الانتصارات ما لم يسبق أن سجل مثلها تاريخ الحروب، فقد غزا بولندا في 27 يوما، والدنمارك في يوم واحد، والنرويج في 23 يوما، وهولندا في 5 ايام، وبلجيكا في 18 يوما، وفرنسا في 39 يوما، ويوغسلافيا في 12 يوما، واليونان في 21 يوما، وكريت في 11 يوما.

ثم اخذ يستعد لاعظم غزواته قاطبة.. روسيا، حيث وقعت بها اعنف المعارك في التاريخ الحديث.

ففي فجر 22 حزيران 1941، شقت الفرق الالمانية طريقها عبر الحدود الروسية وأخذت تزحف في ثلاثة اتجاهات: ليننجراد وموسكو واوكرانيا، وحققت هذه الحملة نجاحا مذهلا فقد اقتربت القوات الالمانية من ليننجراد وموسكو واحتلت كييف عاصمة اوكرانيا.

غير ان هذا الهجوم الثلاثي كان خطأً جسيما ارتكبه الالمان، فمواردهم لم تكن كافية، وسرعان ما أخذ اندفاعهم يفقد سرعته، وباقتراب الشتاء الروسي اضطرت القوات الالمانية للتوقف فلم يكن لديها اي استعدادات لخوض حرب شتوية.

وهنا بدأت الهجمات المضادة القوية تنهال على الالمان من جهة التعزيزات الروسية القادمة من سيبيريا مما جعل هتلر يقرر حفر الخنادق ومواجهة آخر ما كان يرغب في مواجهته.. حرب الشتاء.

وبدأت قواته تتعرض للعديد من اعمال التخريب بفعل الوطنيين الروس في مؤخرة خطوطه، ثم دخلت الولايات المتحدة الحرب فبدأ هتلر يستعد لمواجهة معارك جديدة في الغرب، ولذلك أعاد رسم خطته على أساس انشاء خط دفاعي حصين داخل روسيا، ولتنفيذ ذلك كان يحتاج الى امدادات وبصفة خاصة الوقود ولذلك قرر أن يحتل منطقة القوقاز الغنية بالزيت وبقواعد تموينها على البحر الاسود، وكان مفتاح الطريق المؤدي لتحقيق هذا الهدف هو الاستيلاء على مدينة ستالنجراد.

كان الاسم الكودي لحملة الجنوب هو «العملية الزرقاء» وكان تنفيذها موكولاً الى مجموعتي جيوش رئيسيتين هما:

مجموعة الجيش (أ): وتتكون من الجيش 17 وجيش المدرعات الاول وكان عليها اخضاع القوقاز.

مجموعة الجيش (ب): وتتكون من الجيش السادس والجيش المدرع الرابع والجيش الثاني وكان عليها احتلال منطقة ستالنجراد.

وفي معاونة هاتين المجموعتين كانت هنالك قوات مجرية وايطالية ورومانية.

وبدأت المعركة في القرم يوم 8 أيار، وفي يوم 15 أيار استولى الالمان على (كالاش)، وفي 2 حزيران حاصروا سيباستيول، وفي 28 حزيران بدأت معركة ستالنجراد الفعلية، واستطاعت القوات الالمانية الاستيلاء على عدد من المدن الروسية وهي في طريقها الى ستالنجراد، وفي يوم 12 أيلول أمر هتلر بالاستيلاء على ستالنجراد بالاقتحام يوم 15 أيلول.

بدأت عملية اقتحام الالمان للمدينة في اليوم المحدد، وفي يوم 26 أيلول تمكن الجيش السادس من اقتحام منطقة المصانع الواقعة في القطاع الشمالي من المدينة، وتلت ذلك وقفة قصيرة، وفي يوم 4 تشرين أول شق الجيش السادس طريقه للأمام.

كان القتال يدور بشراسة من شارع الى شارع ومن منزل الى منزل وكان الاهالي يبدون مقاومة جنونية، وكان العمال يتدفقون من المصانع ليقاتلوا الالمان بالمعاول، وبعد عشرة أيام أمر هتلر بتدمير المدينة بالمدفعية، وكان ستالين يتمسك بتلك المدينة التي تحمل اسمه» ستالين جراد»، ومع ذلك أعلن هتلر «انه لن يتخلى عن ياردة مربعة من الارض».

وبالرغم من التقدم الهائل الذي حققه الالمان، إلا ان الوقت لم يكن في جانبهم فقد كان الروس يقيمون كباري على نهر الدون.

وكان المعنى الوحيد لذلك هو اعتزامهم القيام بهجوم مضاد، وفي 19 تشرين ثاني كان الهجوم قد بدأ وكان يهدف اختراق الحصار على ستالنجراد من الشمال الى الجنوب ثم الانتشار نحو مدينة «كالاش»، وفي هذه الحالة يتم حصار الجيوش الالمانية المتقدمة حصارا تاما.

وتم كل شيء طبقا للخطة وحوصر الجنرال الالماني «فون باولوس» داخل ستالنجراد وكان يستطيع ان ينفذ بقواته ولكن هتلر امره بالصمود وأطلق على جيشه اسم «قلعة ستالنجراد».

كانت خطة هتلر ترمي الى اختراق الخط الجديد للروس وإعادة إنشاء جبهة ستالنجراد، وتولى «فون مانشتاين» قيادة «مجموعة جيوش الدون»، وقام بالهجوم يوم 12 كانون أول وفي 21 من نفس الشهر كان يبعد 48كم عن ستالنجراد، وأنذر فون باولوس بأن يستعد للخروج من الحصار خلال 24 ساعة ولكنه رفض تنفيذ الأمر بحجة ان الوقود الذي لديه لا يكفي للسير اكثر من 32كم.

ولكنه في الحقيقة كان ينتظر أمراً مباشراً من هتلر، وأصبح موقف فون مانشتاين حرجا، لان ما تبقى من قوات الجيش الثالث الروماني كانت قد انهارت يوم 17 كانون أول وبعد ذلك بيومين اخترقت خطوط الايطاليين وأصبح فون مانشتاين مهددا بالتطويق، وفي يوم 24 كانون أول أخذ ينسحب مسرعا نحو الغرب وبموافقة هتلر.

وكانت جبهة الدون الالمانية كلها قد تداعت، وشقت في خطوطها ثغرة طولها 320كم، أما داخل ستالنجراد حيث كانت درجة الحرارة تحت الصفر، فقد فتكت حمى التيفوئيد والدوسنتاريا بالآلاف من الالمان، وفي منتصف يناير أبغ فون باولوس هتلر بأن قواته لم تعد تستطيع الاحتمال وكان الرد «التسليم مستحيل، إن الجيش السادس سوف يؤدي واجبه التاريخي في ستالنجراد حتى اخر رجل».

وفي 25 يناير استولى الروس على اخر مطار للألمان في المنطقة وفقد الجيش السادس الاتصال بالعالم الخارجي، وفي 31 كانون ثاني منح فون باولوس رتبة «فيلد مارشال».

وفيما بين 31 كانون ثاني و3 شباط استسلم الجيش السادس بأكمله، وكان من بين الذين استسلموا الجنرال (فيلد مارشال) فون باولوس ومعه 23 جنرالا و2000 ضابط و90000 من الرتب الاخرى و40000 من غير المحاربين، وبلغ عدد القتلى من الجيش السادس 100000 رجل، فضلا عن الكميات الهائلة من المعدات التي دمرت، ولعل اولئك القتلى كانوا اوفر حظا، حيث توفي 50000 أسير الماني خلال الاسابيع الاولى من اسرهم.