أبواب - وليد سليمان

يروي أستاذ اللغة العربية الدكتور «عوني تغوج» لِـ«أبواب - الرأي» عن «أحمد جلوق» وهو أحد وجوه وسط البلد الشعبي في عمان- الذي رحل أخيراً- وبقيت ذكراه المميزة بطيبته وبفنه الخاص وبإنسانيته الكبيرة.

ومما يتذكره الدكتور تغوج عن بائع الألبسة وفنان الزجاجيات أحمد جلوق ما يلي:

لقد كانت بداية التعارف بيننا قبل سنوات طويلة, عندما دخلت سوق عالية في شارع الشابسوغ لأشتري قطعة قماش, لأتخذ منها مناديلَ لي, ولأهدي بعضها لأصدقائي.

وهناك صادفت أحمد جلوق–أبا إبراهيم, الذي رحَّب بي دونما سابق معرفة، وجلست عنده وأبديت استغرابي عندما لمحت في أحد الرفوف منحوتات فنية لإبني!! فسألته عنها؟! فقال: هي لشاب اشتري جهازاً كهربائياً من محل بالقرب مني, ولم تكن معه نقود فكفلته وأخذ الجهاز وجاء بعد يوم ودفع الثمن.

ثم سألته.. وكيف كفلته وأنت لا تعرفه؟! فقال: عرفت أنه شاب مختلف وسيعود!!.

وقد عاد ابني فعلاً ودفع ثمن الجهاز وأهدى (أبو إبراهيم) بعض منحوتاته اليدوية.

معارف وأصدقاء

لقد كانت تلك بداية التعارف، وتوالت زياراتي له اسبوعياً واحياناً كل يومين.. بعد ذلك اعتدت الجلوس عنده واحتساء الشاي والقهوة وسماع بعض الأغاني القديمة من هاتفي, مع أنه لم يكن من محبي الطرب كثيراً.

وكان من النادر أن يدخل زبون عنده, فقد ضعفت الحركة التجارية بعد أن كثر تجار النوفوتيه في كل مكان في عمان.

وكان أبو ابراهيم ممن يغلب عليهم الإنصات, وقلَّما كان يفيض في الكلام، ولم تخلُ القعدات عنده من التعرف الى أصدقاء قدامى له, ومن عابري سبيل يشترون أو لا يشترون.. وبدوري وكما هي عادتي عرَّفته على أصدقاء لي كانوا يمرون بمحله, وإن لم أكن معهم أحياناً.

هناك من هو أحق مني!

وكنت عنده ذات مرة، وجاءه اتصال من جمعية خيرية في عمَّان، وقد ذكر المتصل أنهم يعرفون الوضع التجاري وقلة حركة السوق ومشكلات الإيجار.. وقال له: نحن مستعدون لنقدم لك مبلغاً شهرياً.

وكانت هذه فرصة لا يفوتها تاجر مثله !! لكن أبا إبراهيم ردَّ شاكراً ومُقدِّراً ورفض المساعدة حيث شكرهم قائلاً:

هناك أناس أحْوَج مني لمساعدتكم.. وأغلق الهاتف.. وبقيت ساكتاً لأني أعرف طبعه!!.

قرض جامعي

وفي مرة أخرى جاءت طالبة جامعية–ارتادت محله للشراء عدة مرات- وطلبت منه قرضاً بحدود 250ديناراً، وكانت الحركة التجارية متوسطة الحال آنذاك.. والطالبة تريد المبلغ لتستكمل رسومها الجامعية لتعود الى الضفة الغربية عند أهلها هناك!! فما كان من أبي ابراهيم إلَّا أن طلب منها القدوم لمحله في الغد صباحاً.. حيث أعطاها المبلغ دون نقاش أو ورقة وصل !! وبالفعل ردَّت الطالبة المبلغ له عن طريق أحد أقاربها بعد شهورقليلة.

النظافة أهمية قصوى

وكانت مسألة النظافة ذات أهمية قصوى لدى أحمد جلوق.. فقد كان لا يدع سيجارة أو ورقة على غطاء فترينات المحل الزجاجية.. بينما كانت قريبتنا ابنة العم أميرة تغوج ترتاد محله أحياناً فتعابثه بأن ترمي أوراقاً أو تخربط ترتيب ما وضع فوق اللوح الزجاجي!! فيقوم أبو إبراهيم بالتنظيف والترتيب.. وما أن ينتهي وينشغل.. حتى تُعيد النبش والخربطة ثانية.. فيعود أبو إبراهيم للترتيب مبتسماً.. فتمازحه بقولها: يا رجل اقعد رتِّب بعدما نروِّح.

وأذكر أن قريبتنا صدمت بخبر وفاته فاتصلت بي معزية ومتأثرة.

الختيار الخليلي

وعن موقف آخر يقول د. تغوج: كنا جالسين في يومٍ بباب المحل وإذ برجل سمين كبير السن أحمر الوجه يدخل سوق عالية , ومعه عدة أكياس غير مرتبة.. فدعاه أبو ابراهيم ليجلس ويستريح, وكان أحوج ما يكون الى ذلك.. ثم قدَّم له ماءً وكوب شاي, وبعدها ودون ان يستأذنه وضَّب له حمولته المتناثرة في كيسين مُحكمين.. فسرَّ الرجل وسأله بلهجته الخليلية: منين إنت يخي؟!.. فأجاب: مسلم.

فأعاد الخليلي السؤال: يخي بألك» بقول لك» منين أنت؟ مش دينك. فأجاب أبو إبراهيم.. يا أخي أنا شركسي.

وهنا عقَّب الخليلي بتعليق أضحكنا بلهجته اللذيذة » ونا بؤووول» بقول» منين هالاخلاء» الأخلاق».. وجلسنا نتحدث قليلاً ومضى الرجل شاكراً.

هوشة البطاطا !

ومثل هذه الحالات كانت تحدث وبعضها أكثر طرافة ومنها (هوشة البطاطا)..عندما تشاجر أصحاب مطعم قريب وخرجنا لنشاهد.. وولَّعت المعركة.. وتقاذف العمال بحبات البطاطا التي تناثرت من حولنا.

وعندما انتهت المعركة جمع ابو ابراهيم عدة حبات وكذلك فعلت وفعل شاب مصري.. ليعطوني الحبات.. بزعم انها ستكون أكثر فائدة عندي.. فأخذتها معي.. وقلت لأهل البيت هذه غنائم معركة البطاطا!!.

أنا راجع إليك

«جمعة نور الدين» صديق قديم كنت قد عرَّفته على أحمد جلوق.. ورغم معاناة جمعة الصعبة مادياً وصحياً وبصورة دائمة... إلا أنه كان من أكثر الناس فرحاً ومُزاحاً وإتقاناً لتقليد الاشخاص حركةً وصوتاً.

وكانت «فلسفة جمعة في الحياة» بعد ان كان موسراً جداً هي: (يا رب زيْ ما خلقتني.. أنا راجع إليك).

ولعل جمعة كان الأوحد الذي أضحك (أبا ابراهيم) كثيراً بنوادره، التي كانت تستحق تسجيلاً صوتياً أو كتابياً.

والذكريات تطول وتطول.. لكن ذكرى الجلسات بمجملها ونحن نستمع الى رباعيات الخيام وروائع عبدالوهاب وخلاف ذلك من صور؛ ستظل مرسومة في عقلي.

ويغيب المحل وصاحبه.. لكنه سيظل لوحة ونموذجاً لأرقى الأشخاص والعلاقات الانسانية.. وعفا الله عنَّا جميعاً ورحم الله صديقنا أحمد جلوق الذي جمعنا وتحمَّلنا.

فنان الزجاجيات

وسبق لـِ «أبواب - الرأي» ان قامت بزيارة متحف زجاجيات أحمد جلوق قبل نحو سنة في محله بشارع الشابسوغ, حيث خرجنا بالإنطباعات والمعلومات التالية:

لاشك أن أكثرنا يقوم بإلقاء الأشياء التالفة التي لا فائدة منها في سلة المهملات.. لكن المثير للإهتمام ان هناك أشخاصًا يحبون الاحتفاظ بهذه الأشياء للتمتع بمنظرها، ومنهم من يرى فيها مادة خام أولية يعملون على إعادة إبداعها مرة أخرى.

وأحمد جلوق بعمره السبعيني لاحظ ان محله لبيع الملابس قد لا يتذكره زبون واحد في اليوم أو اليومين أو أكثر!! فاتجه لملء فراغ وقته بالقراءة والأعمال الفنية الزجاجية.

فقد صار عاشقاً لفن التشكيل على القوارير الزجاجية الفارغة ذات المواصفات المدهشة، وبالكؤوس الزجاجية حتى المكسورة، فلا يُلقيها مع النفايات، بل يُحولها بعد جهد وابتكار الى قطعة فنية وتحفة رائعة بتكوينها الجديد.

وذلك بإعادة تشكيل تلك الزجاجيات لتصبح مزهريات للورود، أو منافض للسجائر، أو شمعدانات لأضواء للشموع، أو الأخرى التي يُلصق بداخلها صوراً وبعض الزهور.

صداقة مع الزجاج

فمنذ عهد الصبا و الشباب كان جلوق حريصاً في البيت على (عدم رمي) الأشياء التي أصبحت غير صالحة للاستعمال, مثل لمبة كهرباء محروقة.. حيث كان يأخذها وينشرعنقها لتصبح أشبه بقطعة نصف كروية, لتُستخدم كتحفة لوضع شمعة بداخلها, ومن ثم استخدامها كقطعة جمالية في المنزل.

وكذلك الأمر مع كأس مميزة الشكل اذا ما كُسرت حافتها بشكل مشوه.. حيث كان يقوم بتشذيبها وحفرها بطريقة إبداعية, لتصبح بشكلها جميلة بسبب إعادة استعمالها مرة أخرى, كتحفة نادرة للتمتع بمنظرها، وربما إعادة استخدامها مرة أخرى.

وبذلك فقد كان أحمد جلوق يدخل في عالم فن الأعمال اليدوية الشعبية من خلال تخصصه بهذا الإبداع, الذي نظن أنَّ أحداً لم يتطرق اليه من قبل في عمان.. وكأنه صديق للمحافظة على البيئة وخاماتها.

توازن الحياة

وقد كان جلوق أبو ابراهيم كذلك يقوم بالإبداع الفني مثلاً على حبات جوز الهند ليخرجها تحفاً شعبية, أشبه بالأوعية والكاسات والأواني التي يمكن استعمالها, أو وضعها كزينة جمالية على جدران او طاولات وخزائن البيوت.

وخلال أشغاله الفنية الخاصة على الزجاجيات.. كانت أدوات ووسائل جلوق بسيطة جداُ مثل: حجر جلخ , ورق زجاج, مبرد, زرادية, دِرل يدوي صغير جداً.

كذلك كان يقوم بعملية التغبيش على بعض المساحات الزجاجات بلون حليبي بواسطة البرد والنحت بورق الزجاج، وكان يستخدم في مرات أخرى أسلاكاً نحاسية على التحف الزجاجية.

وكان لهذا الفنان بعض المشاركات في معارض فنية شعبية في عمان في فترات سابقة, حيث لفت انتباه الجميع لأهمية استغلال خامات البيئة الملقاه هنا وهناك من: أخشاب وبلاستيك ومطاط وزجاجات وأسلاك وأدوات أخرى زهيدة, فيها ابداع ذاتي متميز ومدهش, لكل من رآها في تلك المعارض, التي أقيمت خلال سنوات سابقة في عمان.

المجلات والصحف

ورغم ان أحمد جلوق كان قد تعلم فقط للصف الخامس الابتدائي, فقد كان يحب القراءة والثقافة, ومتابعة الأخبار, وتقلبات الحياة في عالمنا العربي.

وعندما كان في منتصف ستينيات القرن الماضي موظفا في شركة الدخان، أخذ يصرف نصف راتبه تقريباً على شراء الكتب وقراءة الصحف الأردنية اليومية جميعها، وأيضا بعض المجلات الصادرة من لبنان ومصر كالمجلات الشهيرة: الصياد والاسبوع العربي والمصور وآخر ساعة والمختار.