موسى إبراهيم أبو رياش (كاتب أردني)

«أدب الخيال العلمي» شحيح عربياً، والمتوفر موجه معظمه لفئتي الأطفال واليافعين، مع أن هذا النوع من الأدب مهم وضروري، ويعبر عن مستوى المجتمعات وتوقها للمستقبل المتطور وعوالمه المختلفة؛ لأن أدب الخيال العلمي مرتبط بأحلام الإنسان وتطلعاته لما سيكون العالم عليه بعد جيل أو جيلين أو أكثر.

وكان أدب الخيال العلمي وما زال محفزاً للعلماء في تحقيق أحلام الأدباء المبثوثة في كتبهم إلى اختراعات ملموسة؛ لأن ثمة قاعدة أن كل ما يفكر فيه الإنسان ويتخيله ويتصوره يمكن أن يصبح حقيقة في المستقبل، لأن الأشياء التي نفكر فيها، تتشكل بداية في الأذهان، تتصورها العقول، ثم تأخذ طريقها بعد سنوات على يد العلماء والباحثين لتترجم شيئاً ملموساً، قد ينجحون وقد يفشلون، ولكن ستبقى الفكرة حية إلى أن يقيَّض لها النجاح بشكلها المتخيل أو أفضل، فالبذرة إن زُرعت لا بد أن تنبت يوماً ما.

وتأتي «الحدس» لنور الدين شبيطة روايةً من أدب الخيال العلمي، تجري وقائعها في العام 2094، ولكن هذا التاريخ لا يعني شيئاً في الحقيقة، وإنما هو مرجعية زمنية للاتكاء عليها، والأحداث تتجاوزها بقرن ونصف القرن، وبعضها سابق عليها بكثير. أما «الحدس» فهو مفهوم يصعب تحديده بدقة، ولكن المحلل النفسي «كارل غوستاف يونغ» يعرفه بقوله: «إن الحدس، بصفته وظيفة لاعقلانية هو بمثابة إدراك يعْبُر إلينا عبر قناة اللاشعور. لست أعرف كيف يعمل الحدس، لكنني على يقين من أنه حقيقي، ويمكن أن يكون قاعدة للانطلاق واتخاذ القرار».

تتشابك في رواية «الحدس» أربعة عوالم متباينة، بالإضافة إلى أمكنة وأزمان مختلفة، في خلطة روائية سردية شيقة، تمتزج فيها الأحلام بالخيال العلمي والواقع بتفصيلاته الحياتية وما فيه من سلوكيات البشر وشرورهم، هذا الشر العابر للأزمنة كداء لا يمكن الخلاص منه، ويلعب «أرود» همزة الوصل بين عوالم الرواية الأربعة وأمكنتها وأزمنتها، لكأنه وُجد فيها جميعاً، وكان له دور فاعل. أما هذه العوالم فهي: الحاضر، و«الحركة الاستعادية»، والأحلام، والمستقبل.

•الحاضر

وقد حددته الرواية بالعام 2094، وهو عالم متطور لا يختلف كثيراً عن عالمنا اليوم بما فيه من تقدم علمي وأجهزة اتصالات، ولم تتوسع الرواية كثيراً في ذكر تفصيلاته، لأنه لم يكن مهماً في أحداث الرواية، بالإضافة إلى أنه نسخة محدثة من عالمنا نحن. وعلى الرغم من أنه عالم متقدم جداً، إلا أنه يوجد بموازاته حياة ريفية وبدوية بسيطة. وعن الحياة المادية التي يعيش فيها هذا العالم، تقول «كاميلا» في رسالتها إلى «أرود»: «كنت أراجع حياتي فتبدو لي كأنها رف معلبات في بقالة بائسة. زيارتي لبلدكم الجميل جعلتني أدرك بشاعة ما وصلنا له م? سيطرة الشركات التجارية على حياتنا. لقد بتنا أقرب للرفوف التي تحمل السلع، منا للإنسان».

•عالم «الحركة الاستعادية»

وهو عالم يعاصر العالم الأول، ولكنه يعتزله، ويتجنب الاختلاط به، وتمثله هذه الحركة التي تحرص على الحياة البسيطة، بعيداً عن سيطرة التكنولوجيا وعوالم الاتصالات، إلا ما اضطرتهم الظروف والقوانين إليه، مثل التعاملات الرقمية والإنترنت في أضيق الحدود ورقابة صارمة. ومن ينتسبون لهذه الحركة منتشرون في دول العالم أجمع، ويقومون بالأعمال اليدوية مثل تربية الأغنام والدواجن والرعي، والتحكم اليدوي في الري ومضخات المياه والزراعة وغيرها، ويعتمدون على الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وتكلفة الحياة عندهم صفرية تقريباً. وهم يرفضون ا?حياة المعاصرة التي تغولت على الإنسان وتحكمت في حياته.

وينتمي «أرود» إلى هذا العالم؛ إذ يعيش مع والديه وأخيه المتوحد «غسان» في بيت غريب التصميم معلق على كتف جبل مطل على أحد الأودية الجارية التي تفصل بين سوريا والأردن، وهو نوع من البيوت يطلق عليه «السفن الأرضية» أسوة بسفينة نوح؛ للنجاة من الحياة المادية الاستهلاكية المتسارعة. ويستقبل البيت ككثير من بيوت الحركة ضيوفاً يقومون بالمساعدة في الأعمال لقاء الإقامة والطعام بالإضافة إلى التمتع بحياة البساطة.

•عالم الأحلام

وهو عالم خاص بـ «أرود» الذي اهتم بالأحلام كثيراً، وشغله سؤال: «كيف نتأكّد أنّ ما نسمّيه عالم الواقع ليس حلماً متصلاً نعيشه كلما خرجنا من العالم الذي نسمّيه عالم الأحلام؟»، ويستطيع وهو في الحلم أن يدرك أنه في حلم أو حقيقة بناءً على بعض الإشارات، وأخذ يبحث ويدرس في الإنترنت عن الأحلام، مما قاده إلى تعلم الكثير عن الأعصاب، والجسم، والفن، والماضي والمستقبل، والفلسفة والأديان، والسحر، والاقتصاد، والثورات الاجتماعية، والإلكترونيات والأمن المعلوماتي، وأنشأ مدونة متخصصة لاقت رواجاً وشهرة كبيرة. وكان من أوائل من اش?روا جهاز «الدريموغراف» لتسجيل الأحلام وإعادة مشاهدتها، ودخل مغامرات بسببه، وتمنى أنه لم يحصل عليه.

وكان «أرود» على ثقة أن «الأحلام تأخذ مادتها من مدخلات الواقع، لكنك عندما تشاهدها في يقظتك تدخلها كأنها واقع إلى وعيك، فتكون هي بذاتها مادة للأحلام القادمة. الأمر يشبه إلى حد ما أن تقف بين مرآتين متقابلتين، فترى الانعكاسات تمتد إلى ما لا نهاية!»، ونجح «أرود» في ممارسة نشاطات حلمية مختلفة يستطيع السيطرة عليها، مثل «الأحلام الجلية» و«الإسقاط النجمي» وما يصاحبه من طيران وانفصال عن الجسد.

•المستقبل

وفي هذا العالم يُطلع «رحمانوف»، وهو برنامج ذكاء اصطناعي، البطلَ «أرود» على بعض معالم المستقبل بعد مئة وخمسين سنة، وخاصة الأصناف العاقلة الأربعة وهم: البشر الكربونيون، الكربونيون ذوو الإضافات السليكونية، والسليكونيون ذوو الزرعات الكربونية، والذكاء الإصطناعي. ويُقسم العالم إلى قسمين متنافسين، ولكن بينهما نوع من التوافق لتجنب الصراعات والحروب والويلات التي عانت منها البشرية من قبل. حيث يسيطر «رحمانوف» على قسم، ومنافسه «كوين» على القسم الآخر، وبينهما اختلافات في التعامل والإدارة والقوانين والبرمجة. ويطلب «رحما?وف» من «أرود» أن يساعده لحل لغز بعض الجرائم، ويستطيع «أرود» بعد تدقيق والحصول على بعض المعلومات أن يحدس أن «زويا» هي المسؤولة عن كل الجرائم، ومع أنها كائن بشري، إلا أنه تم اكتشاف شريحة جينية مزروعة في جسمها بإيعاز من «كوين»، وقد تسببت في عدد من جرائم القتل حتى وهي في السجن، قام بها أناس لم يُعهد عنهم أي سوء من قبل.

إن «الحدس» رواية تدعو للتفكير والتأمل والتساؤل حول المستقبل ومصير الذكاء الاصطناعي وأثره على البشر، وهل ستبقى السلطة للبشر، أم إننا مهددون بالآلات الذكية أو الهجينة بين البشر والآلة؟ وتشير الرواية إلى بعض المصطلحات والمفاهيم مثل: الأحلام الجلية، الإسقاط النجمي، الكوانتم، حواسيب بعد كمومية، نسبية الزمن. بالإضافة إلى مجموعة من الأفكار والحقائق العلمية والآراء؛ لغاية إثراء معرفة القارئ وحثه على البحث عنها ومعرفتها بشكل أوسع.

وتدعو الرواية لإعادة التفكير في الحياة البسيطة التي هجرناها وأصبحنا نلهث وراء تكنولوجيا المعلومات والاتصالات التي أورثتنا الكسل والترهل وضعف القدرات والأمراض، كما أن الرواية تُدخل القارئ في عالم الأحلام المثير الغامض، وإمكانية التحكم فيه والاستفادة منه.